PDA

View Full Version : الشيعة يُفشلون ثورة الصدر !


غير شكل
23-07-2004, 06:59 AM
على الرغم من استمرار المواجهات بين جيش المهدي وبين قوات الاحتلال ، وبقاء الهدنة التي تم التوقيع عليها بين الطرفين غير فعّالة، إلا أن الثورة التي اطلقها الصدر قبل أسابيع قليلة تم اجهاضها بشكل قوي وواضح من قبل القوى السياسية الشيعية المختلفة ومن قبل المرجعيات الدينية الأخرى وفي مقدمتها السيستاني .

وبالفعل تم السيطرة على الأمر وتمكن قادة الشيعة في العراق احتواء الصدر ودائرة نفوذه في المجتمع الشيعي، وحصر المعركة بين قواته وبين قوات الاحتلال، دون تورط الطائفة الشيعية فيها، على النقيض من حالة المقاومة السنية، التي وقف المجتمع السني بأغلبه مؤازرا لها مما اضطر قوات الاحتلال إلى القبول بكثير من التنازلات لصالحهم.

لقد بدت الحالة مع مقتدى الصدر وأتباعه مختلفة تماما، ويبدو أن هناك تواطئا كبير بين مختلف القوى الشيعية وإيران على لجم طموح الصدر ومنعه من التحول إلى رمز وطني شيعي، وإلا فإن قوات الاحتلال لم تبق رمزا دينيا شيعيا إلا دنسته سواء ضريح الإمام علي أو مساجد مدينة النجف، ولم تحرك لا إيران وآيات الله فيها! ولا القوى السياسية الشيعية في العراق ساكنا ضد القوات الأمريكية، وبقي الصدر وجيشه وحيدا معزولا في المعركة، الأمر الذي اضطره في النهاية إلى القبول بالهدنة والوصول إلى صفقات مع قوات الاحتلال.

وهنا يطرح التساؤل حول الأبعاد السياسية لموقف إيران والقوى الشيعية الأخرى من الصدر ؟ ..

لقد اختلفت التفسيرات والرؤى حول موقف إيران من الصدر، وكما يقول Geoffrey Kemp – من مركز نيسكون– "أن الوضع معقد جدا وأصعب من أن نتمكن من تحديد، بجمل واضحة، ماذا تفعل إيران في العراق وماذا لا تفعل"، ومن المعروف أن هناك حروبا سرية وصراعات ربما تكون حتى داخل القوى السياسية المسيطرة في إيران في تحديد الوضع في العراق وتعريف المصلحة الإيرانية والدور الإيراني المطلوب، والقوى السياسية التي تقوم بهذا الدور.

إلاّ أن هناك عدة فرضيات رئيسة ظهرت في العلاقة بين الصدر وبين إيران، أبرزها فرضية يتبناها بعض الكتاب والخبراء من المحافظين الجدد وهي أن الصدر يتلقى دعما عسكريا وتمويليا كبيرا من الحرس الثوري الإيراني، وأن الصدر هو أحد الأدوات الرئيسة التي تلعب فيها إيران في العراق. ويؤكد هذه الفرضية عدد من المستشارين الأمريكان الذين عملوا مسبقا مع سلطة التحالف، إذ يؤكدون أن إيران تغدق الدعم المالي والعسكري لجيش المهدي والصدر، بغية إقامة جمهورية إسلامية في العراق على غرار النموذج الإيراني.

ويذهب إلى ذات الاتجاه خبير أمريكي سابق في العراق Larry Diamond والذي يؤكد أن إيران تخشى من قيام ديمقراطية وتعددية في العراق، لأن هذا يهدد قوة وسلطة آيات الله في إيران، لذلك تعمد إلى دعم المهدي وتقويته من أجل عرقلة هذه العملية. بل يفترض وليام سافير William Safire أحد كتاب الأعمدة في صحيفة نيو يورك تايمز أنّ هناك محورا متصلا يتكون من إيران وسوريا وحزب الله ومقتدى الصدر يهدف إلى إفشال المخطط الأمريكي في العراق .

في مقابل الفرضية السابقة هناك فرضية أخرى تقوم على وجود دعم قوي لمقتدى الصدر من قبل قوى إيرانية سياسية متطرفة معادية للولايات المتحدة، بينما تدعم القوى الإيرانية المعتدلة الأحزاب والمرجعيات السياسية الأخرى، بمعنى أنه لا يوجد تعريف واضح محدد متفق عليه بين الأقطاب السياسية الإيرانية حول مصلحة إيران في المتغيرات الحالية ، وبالتالي هناك قوى سياسية تدعم الصدر وقوى أخرى تدعم الأطراف الشيعية الأخرى، بيد أن هذه الفرضية تبدو متهافتة في ظل كثير من المعطيات السياسية التي تؤكد على عدم انعكاس الاختلافات السياسية الإيرانية تاريخيا على دور إيران الإقليمي، وبالتحديد تجاه قضية تشكل مصلحة حيوية إيرانية لا تقبل الاختلاف أو النزاع حولها.

إلاّ أن المواجهات المشتعلة بين الصدر والقوات الأمريكية قد قللت من قيمة الفرضيتين السابقتين، خاصة مع انكشاف الصدر وقواته أمام الاحتلال الأمريكي، وغياب الدعم الشعبي والسياسي له من قبل إيران أو القوى الشيعية الأخرى التي تعتبر تاريخيا تابعة لإيران كمجلس قيادة الثورة الإسلامية والقيادة الحالية لحزب الدعوة. الأمر الذي يرجح فرضية ثالثة يتبناها عدد من المنظرين والخبراء الأمريكان وهي أن هناك تنافس وعداء مبطن بين إيران وبين مقتدى الصدر، نظرا لطبيعة الصدر القومية وإصراره على تشكيل قيادة شيعية منافسه لطهران بل تتولى هي توجيه الشيعة في العالم، ويدخل في هذا الإطار مسألة الصراع بين قم والنجف على المرجعية الشرعية للشيعة في العالم.

في هذا السياق يرى الخبير الأمريكي جوان كول (أستاذ التاريخ الشرق أوسطي في جامعة ميشيغان) أن الصدر ذو نزعة قومية عراقية، وأنه دائم الانتقاد لآيات الله في العراق الذين يتحدثون اللغة العربية بلكنة فارسية. بل على النقيض من الفرضيات السابقة يرى كول أن آيات الله في طهرات يجدون في الصدر وطروحاته السياسية والفكرية تهديدا لآيات الله ودورهم الأممي. وعى خلاف ما يزعم المحافظون الجدد يرى كول أن الرسالة التي تلقاها الصدر من زيارته الأخيرة لطهران – بعد سقوط صدام – واضحة وهي عدم وجود دعم له من قبل طهران وضرورة تعاونه بشكل أكبر مع القوى السياسية الشيعية الأخرى.

النقطة السابقة تقودنا إلى قراءة أعمق للدور الإيراني في العراق، إذ من الواضح أن هناك توافقا بين طهران والقوى السياسية الشيعية الرئيسة - وفي مقدمتها مجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة والسيستاني– على عدم الدخول في مواجهات عسكرية مع الاحتلال الأمريكي، وعلى فسح المجال لعملية انتقال السيادة الطبيعية، والتي ستؤدي إلى سيطرة الشيعة على مقاليد الحكم في العراق بحكم الأغلبية العددية – وفقا للرواية الشيعية لتعداد السكان-. وبالتالي جاءت ثورة الصدر بمثابة [ الاختراق ] لهذه الرؤية المتواطأ عليها، فعمدت إيران والقوى السياسية الشيعية التابعة لها على احتواء دور الصدر وقواته والسيطرة على المجتمع الشيعي ومنعه من مؤزارة المهدي في مواجهة الاحتلال .

يمكن القول – وفي سياق التطورات الأخيرة – أن إيران والقوى السياسية الشيعية استطاعوا بالفعل تحجيم دور الصدر وقوة جييش المهدي، وتمكنوا من احتواء الأمر، وكشف البعد الشيعي والشعبي عنه، وتركوه وقواته وحيدين في مواجهة الاحتلال، الأمر الذي يجعل من إمكانية قيام الصدر بدور سياسي كبير في الفترة القريبة القادمة مستبعدا، ويبقي الحركة السياسية للشيعة تسير ضمن مخطط طهران ورؤيتها لمصالحها الحيوية في العراق في ظل المتغيرات الجديدة.

محمد سليمان أبو رمان
مجلة العصر