عالم تعبانه
21-08-2003, 05:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ...
في حـارة ٍ صغيرة تنام بين ذراعي جبل ضخم من جبال ( ...... ) ، كان يعيش شقيقان ، أحدهما مهذار لا يتمتع بأي قدر من الحذر، يتكلم في كل مكان و لا يدع شيئا ً من الأمور ( المحرمة ! ) علينا إلا و يضرب فيه بسهم .. و الآخر صموت ارتمى منذ ُ الميلاد في حضن الانطواء ، قلما يخرج من كهفه الذي اختاره لنفسه.. فلا يُعلم كيف يفكر أو ماهية اتجاهه أبـدا ً ...
كان الاثنان مقصرين في كثير من أمور الدين كما هي حالي و حال كثير من المسلمين اليوم – مع الأسف - في هذا الزمن .. لكن بعد أحداث 11 سبتمبر انظما كغيرهم في سـلك ( المطاوعة ) بعد سنوات و سنوات من الترنح على رصيف ( الدشرة ) و الانسحاق بين فكي ( رحى الضياع ) ..
حقيقة ً لم يغير الدين في طبيعة كل واحد منهما شيئا ، فالأول ظل يعاني من ( حمى الهذر ) بل إنه زاد عن السابق و صار يلوك مع حديث السياسة الداخلية قدرا ً كبيرا ً من ( علكة ) السياسة الخارجية ، و خصوصا ً بعد حرب أفغانستان فكان يتحدث عن الخذلان العربي و الإسلامي ، و عن حرمة معاونة الأمريكان و وجوب المسارعة إلى الجهاد .. يتحدث في كل مكان في الشارع في المجالس في البقالات ..و كلما قال له أحدٌ : كن حذرا ً و اخفض صوتك فـــ( كلاب الريح تحمل مفردات الحديث .. و الحيطان لها آذان ) زاد من غلوائه و أردف { ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون }.. فلا يملك الحاضرون إلا أن ( يلفوا الهرجـة )..
أما الثاني فظل متدثرا ً الصمت و لازما ً بيته ، فلا يخرج إلا للضرورة القصوى كالصلاة أو العمل .. و لا يتحدث في السياسة أبدا ً لأنه يرى أن كثرة ( البربرة ) لا تجدي فهي لم تحرر لنا أرضا ، و لم تحم ِ عرضا ً ، و لم ترفع ظلما ً ، و لم تردع ظالما ..فالأولى بالإنسان – حسب رأيه – أن يذهب إلى نفسه يستكمل فضائلها فــ(ـكلك عوراتٌ و للناس أعين ُ ) ...
مرةً ذهب – الرزين - إلى عمله كالعادة ، و قد وقع في يده فتوى في حرمة معاونة الأمريكان لا تتجاوز بضعة أسطر .. فأخذ يتجاذب مع زميل ٍ له أطراف الحديث كالعادة ، .. و بعد دقائق من الدردشة زلَّ لسان صاحبنا بكلمة دلت على حصوله على ( ورقة الفتوى ) ، فسمع زميله الكلمة و تهيجت لديه غريزة التجسس ، و قال في نفسه : ( هذه فرصة قلما تتكرر .. فهذا منذ ُ أشهر و أنا أجرره من وادٍ إلى وادٍ من أودية الحديث بحثا عن مفردة دون طائل .. و ما أظنني اليوم إلا أصابتني دعوة من دعوات أمي لي بالتوفيق في عملي .. و قد هبت رياحي و لا بد أن أغتنم هبوبها .) ..سكت صاحبنا لما شعر بعظم الخطأ الذي ارتكبه و رأى قلاع الصمت التي بناها عبر السنين تغرق في بحر هذه الزلة ..فأخذ يفتح نوافذ جديدة للحديث .. حدثه عن الكرة و ماذا يشجع من الأندية و أخذ يسب الهلال سبا مقذعا .. ثم طاف به في دنيا المال و حدثه عن أسواق العلف ، و أسعار ( المجنونة ) .. و انتقل به إلى الحديث عن مزرعة ( الحبحب ) التي زرعها قبل أشهر في أحد الأودية خارج المدينة ... و زميله طول الوقت يفكر في الطريقة المثلى لاصطياده متلبسا ..
في نهاية الدوام جاءه ( الزميل! ) بعد أن ظنَّ أنه نسي ..فقال له : أريد نسخة من تلك الورقة إذا ما عندك مانع .!! تفاجأ صاحبنا و ارتعشت أطرافه.. و قال بسرعة البرق : إنها ليس لي و صاحبها يطلبها من يومين و أنا ...... قاطعه الزميل : أنا لن آكلها .. أحضرها أنت غدا ً و نصورها لي و لك بس .. و من ثم تعود إلى بتك و قد ظفرت بأجر الدعوة و لك إن شاء الله مني الدعوات الصالحة ... قال صاحنا : في العمل .. قال الزميل : يا أخي أنت شاكٍ فيَّ ........ لا ..
انتهى الدوام ، و عاد صاحبنا إلى البيت و قد وثق في زميله .. فقضى يومه كأحسن ما يكون ... من البيت إلى المسجد إلى البيت ، تتخللها دقائق من الحديث الخاطف مع بعض ( البشكات ) التي تتشكل بعد كل صلاة ...
و في الغد ذهب الرزين إلى عمله و معه الورقة ، و أخذ يمني نفسه بالأجر العظيم الذي سوف يناله جراء نشر الخير J و الكلمات الطيبة التي سوف يخلعهاعليه ذلك الزميل العزيز ( اللـًّـهفان ) .. و ما إن رآه حتى قذف الورقة في يده .. فألفى نفسه بعد لحظات مقذوفا في جبة النسيان ...
و ما غاظه شيء أكثر من صورة ذلك الحقير و قد انفرج فمه من الأذن إلى الأذن .. و علت مغارتـَـه الكئيبة َ ( ابتسامة ُ النصر ! ) .. فقد أفلح في الإيقاع بــ( شارون ! ) و تحرير القدس !!
( ....... ) في السجن ؟! هكذا قال أقاربه و معارفه ، .. كلهم كانوا يتوقعون أن يسجن كل فرد من الحارة إلا هذا .. فهو أقل الناس كلاما ، و اختلاطا ، و خروجا .... حقا ً ( غلطة الشاطر بألف )... و بعضهم قال ( ياما تحت السواهي دواهي ..! )
انقلبت الحارة رأسا ً على عقب ، و تبدلت الأشياء ، فالمهذار – الأول - لم يعد ينبس ببنت شفة حتى السلام ينسى إلقاءه أحيانا كثيرة .. و كلما رأيناه تحدثنا في السياسة – عامدين إثارته – و هو صامت لا يتحدث أبدا ً .. و إذا مرَّ علينا رددنا بصوت يصل إليه { ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون } فيلقي علينا نظرة خجلا واجفة ، و ابتسامة باهتة نستشف من ورائها عمق الأم و الحسرة ، و هول المصيبة ...
و بعد شهر عاد إلينا ( الرزين ! ) بعد أن تأكدوا أنه ليس سببا في ثقب الأوزون ، و لم تكن له يدٌ في ( الجمرة الخبيثة ) و لا يفكر مجرد التفكير في عضوية حزب ( الألوية الحمراء ) ، و هو يكره نظرية ( صراع الحضارات ) و يرى أنّ الإنسان أخٌ للإنسان مهم اختلفت الديانات و تباينت الأفكار.. و لا يحب الإرهاب أبدا ً .. و هو من مدمني ( كنتاكي و بيتزا هات و الكولا و البيبسي معا ً ) .. و يفضل ( الكابريس ) من بين كل السيارت و لا يرى سيارات ( تويوتا ) إلا صنادق متحركة منتنة !!
عـاد إلينا بوجه غير الذي كنا نعرف ، صار يكره ( بشكات ما بعد الصلوات ) المعتادة ، بل أصبح يصلي خارج الحارة ، وكلما تصادف مع أناس يتحدثون عن السياسة هرب منهم لا يلوي على شيء إلا الفرار من ( الشيطان الأعظم ) ..و إذا جمعنا مجلس به - مصادفة ً- و اتفق أن سأله أحدنا عن لحظات الحبس المريرة .. أجاب بسرعة متناهية : عاملونا أحسن معاملة ، و كل ما يقال عن قسوتهم كذب وافتراء ، إنهم يا هؤلاء إن لم يطعمون من ( الطازج ) أطعمونا من ( كنتاكي ) !!
هو لا يكذب أبدا ً لكنني أظنه من شدة الهول و العنت الذي لاقاه ، كان يحسب ( القراطيس ) التي يبصق فيها ريقه الممزوج بالدم .. أكياس ( كنتاكي ) .... و يتخيل الأحذية التي تلهو علو وجنتيه .. ( كراتين الطازج ) ... و يرى ( البساطير ) التي تقبله في فمه ( شاورما ) ......
و تقبلوا تحياتي
في حـارة ٍ صغيرة تنام بين ذراعي جبل ضخم من جبال ( ...... ) ، كان يعيش شقيقان ، أحدهما مهذار لا يتمتع بأي قدر من الحذر، يتكلم في كل مكان و لا يدع شيئا ً من الأمور ( المحرمة ! ) علينا إلا و يضرب فيه بسهم .. و الآخر صموت ارتمى منذ ُ الميلاد في حضن الانطواء ، قلما يخرج من كهفه الذي اختاره لنفسه.. فلا يُعلم كيف يفكر أو ماهية اتجاهه أبـدا ً ...
كان الاثنان مقصرين في كثير من أمور الدين كما هي حالي و حال كثير من المسلمين اليوم – مع الأسف - في هذا الزمن .. لكن بعد أحداث 11 سبتمبر انظما كغيرهم في سـلك ( المطاوعة ) بعد سنوات و سنوات من الترنح على رصيف ( الدشرة ) و الانسحاق بين فكي ( رحى الضياع ) ..
حقيقة ً لم يغير الدين في طبيعة كل واحد منهما شيئا ، فالأول ظل يعاني من ( حمى الهذر ) بل إنه زاد عن السابق و صار يلوك مع حديث السياسة الداخلية قدرا ً كبيرا ً من ( علكة ) السياسة الخارجية ، و خصوصا ً بعد حرب أفغانستان فكان يتحدث عن الخذلان العربي و الإسلامي ، و عن حرمة معاونة الأمريكان و وجوب المسارعة إلى الجهاد .. يتحدث في كل مكان في الشارع في المجالس في البقالات ..و كلما قال له أحدٌ : كن حذرا ً و اخفض صوتك فـــ( كلاب الريح تحمل مفردات الحديث .. و الحيطان لها آذان ) زاد من غلوائه و أردف { ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون }.. فلا يملك الحاضرون إلا أن ( يلفوا الهرجـة )..
أما الثاني فظل متدثرا ً الصمت و لازما ً بيته ، فلا يخرج إلا للضرورة القصوى كالصلاة أو العمل .. و لا يتحدث في السياسة أبدا ً لأنه يرى أن كثرة ( البربرة ) لا تجدي فهي لم تحرر لنا أرضا ، و لم تحم ِ عرضا ً ، و لم ترفع ظلما ً ، و لم تردع ظالما ..فالأولى بالإنسان – حسب رأيه – أن يذهب إلى نفسه يستكمل فضائلها فــ(ـكلك عوراتٌ و للناس أعين ُ ) ...
مرةً ذهب – الرزين - إلى عمله كالعادة ، و قد وقع في يده فتوى في حرمة معاونة الأمريكان لا تتجاوز بضعة أسطر .. فأخذ يتجاذب مع زميل ٍ له أطراف الحديث كالعادة ، .. و بعد دقائق من الدردشة زلَّ لسان صاحبنا بكلمة دلت على حصوله على ( ورقة الفتوى ) ، فسمع زميله الكلمة و تهيجت لديه غريزة التجسس ، و قال في نفسه : ( هذه فرصة قلما تتكرر .. فهذا منذ ُ أشهر و أنا أجرره من وادٍ إلى وادٍ من أودية الحديث بحثا عن مفردة دون طائل .. و ما أظنني اليوم إلا أصابتني دعوة من دعوات أمي لي بالتوفيق في عملي .. و قد هبت رياحي و لا بد أن أغتنم هبوبها .) ..سكت صاحبنا لما شعر بعظم الخطأ الذي ارتكبه و رأى قلاع الصمت التي بناها عبر السنين تغرق في بحر هذه الزلة ..فأخذ يفتح نوافذ جديدة للحديث .. حدثه عن الكرة و ماذا يشجع من الأندية و أخذ يسب الهلال سبا مقذعا .. ثم طاف به في دنيا المال و حدثه عن أسواق العلف ، و أسعار ( المجنونة ) .. و انتقل به إلى الحديث عن مزرعة ( الحبحب ) التي زرعها قبل أشهر في أحد الأودية خارج المدينة ... و زميله طول الوقت يفكر في الطريقة المثلى لاصطياده متلبسا ..
في نهاية الدوام جاءه ( الزميل! ) بعد أن ظنَّ أنه نسي ..فقال له : أريد نسخة من تلك الورقة إذا ما عندك مانع .!! تفاجأ صاحبنا و ارتعشت أطرافه.. و قال بسرعة البرق : إنها ليس لي و صاحبها يطلبها من يومين و أنا ...... قاطعه الزميل : أنا لن آكلها .. أحضرها أنت غدا ً و نصورها لي و لك بس .. و من ثم تعود إلى بتك و قد ظفرت بأجر الدعوة و لك إن شاء الله مني الدعوات الصالحة ... قال صاحنا : في العمل .. قال الزميل : يا أخي أنت شاكٍ فيَّ ........ لا ..
انتهى الدوام ، و عاد صاحبنا إلى البيت و قد وثق في زميله .. فقضى يومه كأحسن ما يكون ... من البيت إلى المسجد إلى البيت ، تتخللها دقائق من الحديث الخاطف مع بعض ( البشكات ) التي تتشكل بعد كل صلاة ...
و في الغد ذهب الرزين إلى عمله و معه الورقة ، و أخذ يمني نفسه بالأجر العظيم الذي سوف يناله جراء نشر الخير J و الكلمات الطيبة التي سوف يخلعهاعليه ذلك الزميل العزيز ( اللـًّـهفان ) .. و ما إن رآه حتى قذف الورقة في يده .. فألفى نفسه بعد لحظات مقذوفا في جبة النسيان ...
و ما غاظه شيء أكثر من صورة ذلك الحقير و قد انفرج فمه من الأذن إلى الأذن .. و علت مغارتـَـه الكئيبة َ ( ابتسامة ُ النصر ! ) .. فقد أفلح في الإيقاع بــ( شارون ! ) و تحرير القدس !!
( ....... ) في السجن ؟! هكذا قال أقاربه و معارفه ، .. كلهم كانوا يتوقعون أن يسجن كل فرد من الحارة إلا هذا .. فهو أقل الناس كلاما ، و اختلاطا ، و خروجا .... حقا ً ( غلطة الشاطر بألف )... و بعضهم قال ( ياما تحت السواهي دواهي ..! )
انقلبت الحارة رأسا ً على عقب ، و تبدلت الأشياء ، فالمهذار – الأول - لم يعد ينبس ببنت شفة حتى السلام ينسى إلقاءه أحيانا كثيرة .. و كلما رأيناه تحدثنا في السياسة – عامدين إثارته – و هو صامت لا يتحدث أبدا ً .. و إذا مرَّ علينا رددنا بصوت يصل إليه { ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون } فيلقي علينا نظرة خجلا واجفة ، و ابتسامة باهتة نستشف من ورائها عمق الأم و الحسرة ، و هول المصيبة ...
و بعد شهر عاد إلينا ( الرزين ! ) بعد أن تأكدوا أنه ليس سببا في ثقب الأوزون ، و لم تكن له يدٌ في ( الجمرة الخبيثة ) و لا يفكر مجرد التفكير في عضوية حزب ( الألوية الحمراء ) ، و هو يكره نظرية ( صراع الحضارات ) و يرى أنّ الإنسان أخٌ للإنسان مهم اختلفت الديانات و تباينت الأفكار.. و لا يحب الإرهاب أبدا ً .. و هو من مدمني ( كنتاكي و بيتزا هات و الكولا و البيبسي معا ً ) .. و يفضل ( الكابريس ) من بين كل السيارت و لا يرى سيارات ( تويوتا ) إلا صنادق متحركة منتنة !!
عـاد إلينا بوجه غير الذي كنا نعرف ، صار يكره ( بشكات ما بعد الصلوات ) المعتادة ، بل أصبح يصلي خارج الحارة ، وكلما تصادف مع أناس يتحدثون عن السياسة هرب منهم لا يلوي على شيء إلا الفرار من ( الشيطان الأعظم ) ..و إذا جمعنا مجلس به - مصادفة ً- و اتفق أن سأله أحدنا عن لحظات الحبس المريرة .. أجاب بسرعة متناهية : عاملونا أحسن معاملة ، و كل ما يقال عن قسوتهم كذب وافتراء ، إنهم يا هؤلاء إن لم يطعمون من ( الطازج ) أطعمونا من ( كنتاكي ) !!
هو لا يكذب أبدا ً لكنني أظنه من شدة الهول و العنت الذي لاقاه ، كان يحسب ( القراطيس ) التي يبصق فيها ريقه الممزوج بالدم .. أكياس ( كنتاكي ) .... و يتخيل الأحذية التي تلهو علو وجنتيه .. ( كراتين الطازج ) ... و يرى ( البساطير ) التي تقبله في فمه ( شاورما ) ......
و تقبلوا تحياتي