|
|
مبدع متميز
|
|
المشاركات: 5,287
|
#1
|
( انتهى الحج .... وبقيت دروسه .. )
[center]
عطّر الحجاجُ قلوبَهم بعبير السماء ، في أيامهم المباركة هذه ، وشهدوا مشاهد زاحمتهم فيها الملائكة ، وتباهى بهم الله جل في علاه ، وطابت بتكبيراتهم أنفاس الحياة ..
وانقضت أيام الحج ، ولكن دروسه الرائعة لم تنقضِ ، وما أكثر هذه الدروس ، وما أروعها ، وما أبركها ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..
ولقد صدق والله من ذهب إلى أن الحج مدرسة تربوية فريدة متميزة ..
ولسنا هنا بصدد تعداد دروس الحج ، فإنها كثيرة ، لكن _ من وجهة نظري الشخصية _ هناك درس يأتي في مقدمة هذه الدروس ، وهو أقواها وأجلاها وأروعها ، وعنه تتشقق دروس من وراء دروس ..
هذا الدرس الذي سنتوقف عنده اليوم ، يحتاجه كل منا حيث هو ، ويلزم كل منا أينما كان ، ولابد من أن نعززه في قلوبنا ، ونلزم أنفسنا به ، فإنه ( درس القمة ) .. ويلاحظ أن هذا الدرس يتكرر كثيرا في مشاهد الحج المختلفة .. وكأن تكراره يؤكد مدى أهميته ، وضرورة تذكره والتذكير به ..
هذا الدرس هو درس (التسليم المطلق ) لله سبحانه وتعالى ..
وسأسوق الموضوع في صورة مشاهد ... واسأل الله أن يعين ويوفق ويبارك ..
فلنتابع القصة من أولها .. وعلى بركة الله نمضي .. وبه نستعين :
= =
المشهد الأول :
هذا إبراهيمُ الخليل عليه السلام ، يرزقه اللهُ بطفلٍ بعد أن تجاوز الثمانين _ كما روي _ جاءه على شوق ، اشد من شوق الأرض العطشى لقطر السماء ، وتعلق قلب الأب الشيخ بفلذة كبده ، وهفت إليه نفسه الظمأى ، وحنت روحه إلى أن يضم صغيره إليه ، ليلقنه أنوار السماء التي يتلقاه هو عن طريق الوحي ..
لكن الفرحة لم تتم ..!!
وجاء في أعقاب المسرة لون من البلاء ، لا يطيقه إلا أمثال هذا الجبل الشامخ ، إبراهيم عليه السلام ، جاءه وحي السماء أن يحمل هذا الرضيع الحبيب ، فلذة الكبد ، وحبة الفؤاد ، هو وأمه إلى خارج بلده الذي هو فيه ؟؟
إلى أين يا رب ..!؟
إلى وادٍ غير ذي زرعٍ !!! أرض جرداء ، لا زرع فيها ولا ماء ..!! رمال يبتلع بعضها بعضا ..!!
فلم يجزع القلب الكبير ، ولم يتلجج ، ولم يتردد ، ولم يراجع ، ولم يتوقف ، ولم يحاجج ، ولم يُعمِل عقله ، لأن إعمال العقل هنا لا مكان له ، إعمال العقل أمام الوحي الصريح ، إعمال في غير المكان الصحيح ..!!
بل لبى طائعاً ، ونفذ مستسلماً ، لسبب بسيط ، لكنه أعمق من غور البحر ..
لم يجد بد من أن يكون في دائرة ( التسليم المطلق ) لله الآمر .. بلا كلام ، ولا جدال ، ولا تردد ، ولا تحرج ، ولا تلعثم ، ولا شيء من حرج في الصدر ..
السبب ... أنه على تمام الثقة أن ربه هو الأعلم بما يصلح وما لا يصلح ، وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في مكانه دون أي خلل مهما دق ..
ولذا لم يفكر حتى أن يسأل :
لماذا يا رب ؟؟ وكيف ؟؟ وهل ؟؟ وهلا ؟؟ وما الحكمة ؟؟
لا مكان لهذه الأسئلة في هذا القلب الكبير ، المشتعل بمحبة الله ، المستضيئ بنور الله .
هذه الأسئلة وأمثالها قد تجد لها موضعا في قلوب أخرى غير قلب إبراهيم وأمثاله ممن أضاء الله بصيرتهم ..
وحمل الشيخ الكبير صاحب القلب الكبير فلذة كبده الرضيع في حضنه ، وإلى جانبه تسير زوجه الحبيبة ، وعلى ظهره زاد الرحلة الطويلة الشاقة ، وأخذ يقطع القفار ، ويطوي الأرض ، ويمضي الأيام والليالي ، والأسابيع ، وهو ماضٍ حيث رسم الله له أن يمضي ، وسط هذه الرمال الصفراء التي تغطي الأفق من حوله في جميع الجهات ..
حتى إذا وصل إلى المكان المقصود ، التفت هنا وهاهنا ، فلم ير سوى رمال تشهد لله بالوحدانية ، لا نبتة فيها ، ولا قطرة ماء ، ولا أنيس ، ولا جليس ، وليس سوى وحشةٍ ، وصمت كصمت المقبرة ..!
المشهد الثاني :
........................................يتبع :[/center]
|
|
02-02-2004 , 03:02 PM
|
|