USAMA LADEN
31-12-2001, 01:02 AM
الجنرال مشرف
حسابات خاطئة.. ونتائج صعبة
"إنها مجرد حفنة من الفستق".. هكذا وصف الجنرال ضياء الحق، ذات يوم، المساعدة الأمريكية لبلاده. ففي عهد الرئيس كارتر، منحت واشنطن باكستان مبلغ 50 مليون دولار كمساعدة، استدعت الوصف أعلاه من الحاكم الباكستاني.
ما هو وجه الشبه بين الأمس واليوم؟ مرة أخرى قدمت واشنطن 50 مليون دولار إلى باكستان كمساعدة، ولم يعلق الجنرال "برويز مشرف" على تفاهة المبلغ، أما كل شيء آخر، فقد تغير.
منذ بدء الحرب على أفغانستان، وحتى قبل ذلك بقليل، لم يكن الجنرال المشغول بحسن مظهره على نحو دائم، في موقع مريح، فبعد وقوع أحداث واشنطن ونيويورك، وقرار أمريكا، بشن حرب على ما تسميه بـ "الإرهاب" والبدء بأفغانستان، قال كثيرون: "إن أحداً لا يتمنى أن يكون في مكان الجنرال مشرف الآن". فقد كان على الرجل أن يتعامل مع مقولة بوش التي قسمت العالم إلى قسمين: معنا أو ضدنا، وإذ اختار أن يكون في خانة "معنا" ترتب عليه أن يبدأ السير بين حبات المطر، دون أن تفسد تسريحة شعره. وهذا ليس بالأمر السهل، بل هو اقتراب مما يشبه المستحيل، في بلد، لا يثق أهله بنوايا الأمريكيين، ولا هم يقبلون بأن يشن الأمريكان حرباً على أخوتهم في أفغانستان.
يبدو تعبير "عدم القبول بشن الحرب" نوعاً من التبسيط لمعادلة معقدة. وكذلك الأمر، فيما يتعلق بتوصيف حالة الرئيس الباكستاني، إذ مما لا شك فيه، أن كل تحرك في تلك الجغرافية الصعبة، يستدعي كماً لا يتناهى من التداعيات. وكي نكون في صلب الموضوع مباشرة ينبغي التأشير إلى ثلاثة محددات في الحالة الباكستانية:
ـ محدد ركائز الأمن القومي والسياسة الخارجية.
ـ محدد العلاقة المتشابكة مع أفغانستان.
ـ محدد قضية كشمير.
يقوم المحدد الأول على:
1 ـ العلاقة الخاصة مع أفغانستان كعمق استراتيجي في مواجهة الخطر الهندي، وهو جدي، ولا يقتصر على العنف اللفظي، بل ويرقى إلى صيغة حرب كامنة، بانفجارات متتالية.
2 ـ السلاح النووي، وهو ضمانة باكستان في مواجهة التهديد الهندي. ولعله من المفيد التذكير، بما نقلته رئيسة الوزراء السابقة "بنازير بوتو" عن والدها، بصدد هذا الأمر. تقول: "قال لي أبي يجب أن نمتلك السلاح النووي، حتى لو أكلنا أوراق الشجر". تنظر باكستان اليوم إلى سلاحها النووي كذخر استراتيجي، وتريد المحافظة عليه بعيداً عن أي خطر.
3 ـ قضية كشمير، وهي عامل حاسم في رسم السياسات الباكستانية، هي شأن داخلي وخارجي في آن، ولا يكتسب النظام الباكستاني ـ عادة ـ شرعيته، دون المواظبة على المطالبة بها، ونقل المسلمين في كشمير إلى الحكم الباكستاني.
أما المحدد الثاني، فهو يخص ـ كما ذكرنا ـ العلاقة مع أفغانستان. والأمر هنا لا يتعلق بدولتين جارتين، على ما هو حال توصيف العلاقات بين الدول المتجاورة في الجغرافية. فأفغانستان، تشكل عمقاً استراتيجياً لجارتها المسلمة، وفيما يشكل "الباشتون" 38 بالمئة من سكان أفغانستان الموزعين على 17 اثنية، يوجد في باكستان 20 مليون من الباشتون. ويعني هذا أن مساحة واسعة جداً من الدولتين تقطنها اثنية واحدة. هي: الباشتون. وترتبط قبائل هذه الاثنية بأواصر شتى قوية جداً. وعلى مدى سنوات الحرب الطويلة ضد السوفيات في أفغانستان، بلغ التداخل في حركة أفراد هذه الاثنية مداه، فكثيرون من هؤلاء يحملون الجنسيتين الباكستانية والأفغانية، ويكادون لا يقرون بوجود الحدود السياسية بين الدولتين، إذ هم في نهاية الأمر يتحركون داخل أرضهم، سواء أكانت تتبع في التقسيم السياسي، هذه الدولة أو تلك.
كل هذا، إضافة إلى عوامل أخرى،جعل من باكستان طرفاً رئيسياً في المعادلة الأفغانية، وهي معادلة تقوم على ركيزة باكستانية أساسية قوامها: "إن إسلام أباد لا تقبل بحكومة معادية لها في كابول".
والمسألة هنا ليست مجرد "سياسة تتسم بمبدأ ثابت" بل إن عوامل استمرارها قائمة أيضاً، ذلك أن من شأن وجود حكومة معادية في كابول، أن يُفقد باكستان العمق الاستراتيجي الذي تتحدث عنه باستمرار، وأن يغضب الباشتون أيضاً، ويثير قلاقل في باكستان نفسها. على افتراض أن حكومة معادية لإسلام أباد، هي حكومة لا يشارك فيها الباشتون كما ينبغي.
يضاف إلى ذلك أن نجاح النموذج الجهادي "ضد السوفيات في أفغانستان، عزز اتجاهاً داخل باكستان، لاعتماده في كشمير. ولذلك دعمت إسلام أباد، "الحركات الجهادية" المناوئة للهند، واعتبرت عمل هذه الحركات مشروعاً، حتى أن هناك من أشار غير مرة، إلى أن "الاستخبارات الباكستانية" هي المنظم الفعلي لهذه الحركات.
الموقف الصعب
كان على الرئيس الباكستاني "برويز مشرف" أن يلحظ كل هذه المعطيات، وهو يصوغ موقف بلاده إزاء أحداث واشنطن ونيويورك، وما تلاها من اتهام أمريكي للعرب والمسلمين، بالمسؤولية عن الأحداث، ثم قرارها بشن الحرب على أفغانستان، وطلب مساعدة إسلام أباد في تسهيل هذه الحرب على الأمريكيين.
ووسط كل هذه المعطيات أيضاً، كان عليه الالتفات إلى الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه البلاد المثقلة بديون خارجية تصل إلى 38 مليار دولار، والخاضعة لعقوبات أمريكية عسكرية واقتصادية، منذ قيامها بالتجارب على تفجيرات نووية.
من المتصور أن مشرف اتجه بالتفكير نحو محددين:
ـ ضمان أمن بلاده.
ـ إمكان الإفادة من وقوفه إلى جانب واشنطن اقتصادياً وسياسياً.
يقول مثل أمريكي: لا يمكنك أن تحتفظ بالكعكة وتأكلها في الوقت نفسه".
وهكذا لم يكن هناك بد من أن يجد مشرف نفسه أمام الاستحقاقات الصعبة لكل موقف سيتخذه. وما لبثت حساباته السريعة أن أخذته نحو تأييد واشنطن مبرراً ذلك على النحو الآتي:
"وجود معلومات عن نوايا إسرائيلية وهندية، لضرب المنشآت النووية الباكستانية، باستغلال الظرف الدولي القائم والحملة على المسلمين، ثم إنفاذ خطة تفكيك باكستان النائمة في الأدراج الأمريكية، دون استبعاد قيام الهند، باحتلال الجزء الباكستاني من كشمير، وربما الاندفاع عبر الأراضي الباكستانية، كطرف في التحالف الدولي لضرب أفغانستان، وهو ما يمكن أن يتم بتغطية أمريكية وروسية، ودون ضمان أن يتحرك الصديق الصيني الملتبس قيد أنملة".
ومن جانب آخر يمكن تلقي مكافأة مزدوجة على الوقوف إلى جانب أمريكا: "رفع العقوبات الاقتصادية وتلقي مساعدات اقتصادية، ومساندة سياسية تجاه أزمة كشمير".
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كان الرئيس الباكستاني يتحدث عن أفكار جدية، أم عن تهويل يبرر موقفه، بعيداً عما يتعلق بالمكافأة؟
من السذاجة الافتراض بأن تلك الأفكار التي أشار إليها الجنرال مشرف، ليست حقيقية، بل هي حقيقية وجدية أيضاً. فالهند تتربص بباكستان منذ وقت طويل. وكان خبر امتلاك إسلام أباد سلاحاً نووياً، هو أسوأ خبر سمعته نيودلهي، التي كانت ستسعى بالضرورة، إلى استغلال الظروف المستجدة، كي توجه ضربة قاصمة لباكستان بدعوى محاربة "الإرهاب" خاصة وأنها واظبت على وصف الحركات الكشميرية بأنها "حركات إرهابية"، وأن "باكستان تمارس إرهاب الدولة" من خلال دعمها لهذه الحركات ورعايتها. وعملياً فإن الأمر يتجاوز موضوع كشمير بالنسبة للهند، فالأخيرة تريد تجاوز هذا الحاجز الإسلامي الصعب للاقتراب من الخليج، وفرض نفسها لاعباً أساسياً في المنطقة، وشريكاً في رسم السياسات الدولية فيها. بما يعني أن تكون شريكاً في النهب أيضاً. وعلى المدى الاستراتيجي تريد حصر العالم الإسلامي بينها وبين "إسرائيل"، كقوتين نوويتين ضاربتين.
وسوف تندفع "إسرائيل" للمشاركة في رسم هذا الواقع الجديد، فهي أيضاً قلقة من القوة الباكستانية، ولم يقفل حتى اليوم، ملف التحقيق في تسلل رجال الموساد إلى منطقة قرب المفاعل النووي الباكستاني في "كاهوتا" لتفجيره.
إذاً، كان مشرف يتحدث عن أفكار جدية، وهو أراد إبعاد الهند عن المشاركة العملية في التحالف ضد أفغانستان، بعرضه تقديم المساعدات التي قالت نيودلهي إنها جاهزة لتقديمها، وتصور أنه قادر بذلك، ليس على إبعاد الهند فقط، وتحجيم دورها في هذه الحرب، بل وأيضاً على المشاركة في ضبط إيقاع الحرب، بحيث لا تتجاوز حدوداً معينة.. ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الثمن المقابل.
التوقعات والحصاد
لنبدأ بالتوقعات الاقتصادية التي بالغ بعضهم في تصوير أهميتها. وسنكتشف على الفور أنها كانت مخيبة جداً. فعدا عن مبلغ الخمسين مليون دولار (حفنة الفستق) لم تتلق باكستان أية مساعدة أخرى، على العكس من ذلك، فقد عانى الاقتصاد خسائر إضافية، وتوقفت حركة التصدير، وطال الشلل قطاعات إنتاجية متعددة. أما إعادة جدولة الديون (38 مليار دولار) فلازالت وعداً، وهي كانت ستتم على أية حال، حتى دون أن تتخذ إسلام أباد الموقف الذي اتخذته، فمن يريد ديونه، سيتحرك هو بالذات لإعادة جدولتها.
في الجانب الآخر، لم تحظ قرارات مشرف، بأية شعبية، ومنذ الإعلان عنها، وحتى الآن، لم تخلُ شوارع باكستان من المظاهرات المناهضة للعدوان الأمريكي على أفغانستان، والمحتجة على مواقف حكومة مشرف، وبينما كان الأخير يصرح بأن "تأثير تظاهرات الدعم لطالبان في باكستان هامشي، وينظمها رجال دين متطرفون، وبعض اللاجئين الأفغان" وأن "الباكستانيين لا يشاركون فيها بأعداد كبيرة" كانت تظاهرة من مليون شخص فقط تسير في شوارع كراتشي وحدها. وكان حزب "الرابطة الإسلامية" (بزعامة نواز شريف) يشارك بثقل كبير في المظاهرات، الأمر الذي أظهر مشرف، وكأنه يريد الاختباء وراء إصبعه.
لقد سعى الرئيس الباكستاني، إلى التقليل الدائم من دور حكومته في الحرب على أفغانستان، فنفى أنه سيعطي الأمريكان تسهيلات عسكرية مباشرة، وعندما أخذت طائرات الهليوكبتر، تقلع من المطارات الباكستانية، وهي تقل أفراد الوحدات الخاصة الأمريكية، أو لتقصف كابول، وتقتل باكستانيين، بدأ بالتحدث عن أنه "يضمن عدم بقاء الأمريكيين الدائم في باكستان". والمسافة بين الأمرين بعيدة، وتشبه المسافة ما بين الاحتجاج السلمي على موقف الحكومة، وبين المطالبة بسقوط مشرف (على لسان قاضي حسين أحمد زعيم الجماعة الإسلامية المصنفة كاتجاه معتدل والمشاركة في مجلس الشيوخ) ومن ثم مهاجمة المطارات التي تضم قواعد للأمريكيين.
لقد أسهم خداع الحكومة في زيادة غضب الشارع الباكستاني، كما زادت في حدة هذا الغضب النتائج التي حصدتها البلاد جراء الموقف الحكومي، والتي يمكن إيجازها على النحو الآتي:
حسابات خاطئة.. ونتائج صعبة
"إنها مجرد حفنة من الفستق".. هكذا وصف الجنرال ضياء الحق، ذات يوم، المساعدة الأمريكية لبلاده. ففي عهد الرئيس كارتر، منحت واشنطن باكستان مبلغ 50 مليون دولار كمساعدة، استدعت الوصف أعلاه من الحاكم الباكستاني.
ما هو وجه الشبه بين الأمس واليوم؟ مرة أخرى قدمت واشنطن 50 مليون دولار إلى باكستان كمساعدة، ولم يعلق الجنرال "برويز مشرف" على تفاهة المبلغ، أما كل شيء آخر، فقد تغير.
منذ بدء الحرب على أفغانستان، وحتى قبل ذلك بقليل، لم يكن الجنرال المشغول بحسن مظهره على نحو دائم، في موقع مريح، فبعد وقوع أحداث واشنطن ونيويورك، وقرار أمريكا، بشن حرب على ما تسميه بـ "الإرهاب" والبدء بأفغانستان، قال كثيرون: "إن أحداً لا يتمنى أن يكون في مكان الجنرال مشرف الآن". فقد كان على الرجل أن يتعامل مع مقولة بوش التي قسمت العالم إلى قسمين: معنا أو ضدنا، وإذ اختار أن يكون في خانة "معنا" ترتب عليه أن يبدأ السير بين حبات المطر، دون أن تفسد تسريحة شعره. وهذا ليس بالأمر السهل، بل هو اقتراب مما يشبه المستحيل، في بلد، لا يثق أهله بنوايا الأمريكيين، ولا هم يقبلون بأن يشن الأمريكان حرباً على أخوتهم في أفغانستان.
يبدو تعبير "عدم القبول بشن الحرب" نوعاً من التبسيط لمعادلة معقدة. وكذلك الأمر، فيما يتعلق بتوصيف حالة الرئيس الباكستاني، إذ مما لا شك فيه، أن كل تحرك في تلك الجغرافية الصعبة، يستدعي كماً لا يتناهى من التداعيات. وكي نكون في صلب الموضوع مباشرة ينبغي التأشير إلى ثلاثة محددات في الحالة الباكستانية:
ـ محدد ركائز الأمن القومي والسياسة الخارجية.
ـ محدد العلاقة المتشابكة مع أفغانستان.
ـ محدد قضية كشمير.
يقوم المحدد الأول على:
1 ـ العلاقة الخاصة مع أفغانستان كعمق استراتيجي في مواجهة الخطر الهندي، وهو جدي، ولا يقتصر على العنف اللفظي، بل ويرقى إلى صيغة حرب كامنة، بانفجارات متتالية.
2 ـ السلاح النووي، وهو ضمانة باكستان في مواجهة التهديد الهندي. ولعله من المفيد التذكير، بما نقلته رئيسة الوزراء السابقة "بنازير بوتو" عن والدها، بصدد هذا الأمر. تقول: "قال لي أبي يجب أن نمتلك السلاح النووي، حتى لو أكلنا أوراق الشجر". تنظر باكستان اليوم إلى سلاحها النووي كذخر استراتيجي، وتريد المحافظة عليه بعيداً عن أي خطر.
3 ـ قضية كشمير، وهي عامل حاسم في رسم السياسات الباكستانية، هي شأن داخلي وخارجي في آن، ولا يكتسب النظام الباكستاني ـ عادة ـ شرعيته، دون المواظبة على المطالبة بها، ونقل المسلمين في كشمير إلى الحكم الباكستاني.
أما المحدد الثاني، فهو يخص ـ كما ذكرنا ـ العلاقة مع أفغانستان. والأمر هنا لا يتعلق بدولتين جارتين، على ما هو حال توصيف العلاقات بين الدول المتجاورة في الجغرافية. فأفغانستان، تشكل عمقاً استراتيجياً لجارتها المسلمة، وفيما يشكل "الباشتون" 38 بالمئة من سكان أفغانستان الموزعين على 17 اثنية، يوجد في باكستان 20 مليون من الباشتون. ويعني هذا أن مساحة واسعة جداً من الدولتين تقطنها اثنية واحدة. هي: الباشتون. وترتبط قبائل هذه الاثنية بأواصر شتى قوية جداً. وعلى مدى سنوات الحرب الطويلة ضد السوفيات في أفغانستان، بلغ التداخل في حركة أفراد هذه الاثنية مداه، فكثيرون من هؤلاء يحملون الجنسيتين الباكستانية والأفغانية، ويكادون لا يقرون بوجود الحدود السياسية بين الدولتين، إذ هم في نهاية الأمر يتحركون داخل أرضهم، سواء أكانت تتبع في التقسيم السياسي، هذه الدولة أو تلك.
كل هذا، إضافة إلى عوامل أخرى،جعل من باكستان طرفاً رئيسياً في المعادلة الأفغانية، وهي معادلة تقوم على ركيزة باكستانية أساسية قوامها: "إن إسلام أباد لا تقبل بحكومة معادية لها في كابول".
والمسألة هنا ليست مجرد "سياسة تتسم بمبدأ ثابت" بل إن عوامل استمرارها قائمة أيضاً، ذلك أن من شأن وجود حكومة معادية في كابول، أن يُفقد باكستان العمق الاستراتيجي الذي تتحدث عنه باستمرار، وأن يغضب الباشتون أيضاً، ويثير قلاقل في باكستان نفسها. على افتراض أن حكومة معادية لإسلام أباد، هي حكومة لا يشارك فيها الباشتون كما ينبغي.
يضاف إلى ذلك أن نجاح النموذج الجهادي "ضد السوفيات في أفغانستان، عزز اتجاهاً داخل باكستان، لاعتماده في كشمير. ولذلك دعمت إسلام أباد، "الحركات الجهادية" المناوئة للهند، واعتبرت عمل هذه الحركات مشروعاً، حتى أن هناك من أشار غير مرة، إلى أن "الاستخبارات الباكستانية" هي المنظم الفعلي لهذه الحركات.
الموقف الصعب
كان على الرئيس الباكستاني "برويز مشرف" أن يلحظ كل هذه المعطيات، وهو يصوغ موقف بلاده إزاء أحداث واشنطن ونيويورك، وما تلاها من اتهام أمريكي للعرب والمسلمين، بالمسؤولية عن الأحداث، ثم قرارها بشن الحرب على أفغانستان، وطلب مساعدة إسلام أباد في تسهيل هذه الحرب على الأمريكيين.
ووسط كل هذه المعطيات أيضاً، كان عليه الالتفات إلى الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه البلاد المثقلة بديون خارجية تصل إلى 38 مليار دولار، والخاضعة لعقوبات أمريكية عسكرية واقتصادية، منذ قيامها بالتجارب على تفجيرات نووية.
من المتصور أن مشرف اتجه بالتفكير نحو محددين:
ـ ضمان أمن بلاده.
ـ إمكان الإفادة من وقوفه إلى جانب واشنطن اقتصادياً وسياسياً.
يقول مثل أمريكي: لا يمكنك أن تحتفظ بالكعكة وتأكلها في الوقت نفسه".
وهكذا لم يكن هناك بد من أن يجد مشرف نفسه أمام الاستحقاقات الصعبة لكل موقف سيتخذه. وما لبثت حساباته السريعة أن أخذته نحو تأييد واشنطن مبرراً ذلك على النحو الآتي:
"وجود معلومات عن نوايا إسرائيلية وهندية، لضرب المنشآت النووية الباكستانية، باستغلال الظرف الدولي القائم والحملة على المسلمين، ثم إنفاذ خطة تفكيك باكستان النائمة في الأدراج الأمريكية، دون استبعاد قيام الهند، باحتلال الجزء الباكستاني من كشمير، وربما الاندفاع عبر الأراضي الباكستانية، كطرف في التحالف الدولي لضرب أفغانستان، وهو ما يمكن أن يتم بتغطية أمريكية وروسية، ودون ضمان أن يتحرك الصديق الصيني الملتبس قيد أنملة".
ومن جانب آخر يمكن تلقي مكافأة مزدوجة على الوقوف إلى جانب أمريكا: "رفع العقوبات الاقتصادية وتلقي مساعدات اقتصادية، ومساندة سياسية تجاه أزمة كشمير".
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كان الرئيس الباكستاني يتحدث عن أفكار جدية، أم عن تهويل يبرر موقفه، بعيداً عما يتعلق بالمكافأة؟
من السذاجة الافتراض بأن تلك الأفكار التي أشار إليها الجنرال مشرف، ليست حقيقية، بل هي حقيقية وجدية أيضاً. فالهند تتربص بباكستان منذ وقت طويل. وكان خبر امتلاك إسلام أباد سلاحاً نووياً، هو أسوأ خبر سمعته نيودلهي، التي كانت ستسعى بالضرورة، إلى استغلال الظروف المستجدة، كي توجه ضربة قاصمة لباكستان بدعوى محاربة "الإرهاب" خاصة وأنها واظبت على وصف الحركات الكشميرية بأنها "حركات إرهابية"، وأن "باكستان تمارس إرهاب الدولة" من خلال دعمها لهذه الحركات ورعايتها. وعملياً فإن الأمر يتجاوز موضوع كشمير بالنسبة للهند، فالأخيرة تريد تجاوز هذا الحاجز الإسلامي الصعب للاقتراب من الخليج، وفرض نفسها لاعباً أساسياً في المنطقة، وشريكاً في رسم السياسات الدولية فيها. بما يعني أن تكون شريكاً في النهب أيضاً. وعلى المدى الاستراتيجي تريد حصر العالم الإسلامي بينها وبين "إسرائيل"، كقوتين نوويتين ضاربتين.
وسوف تندفع "إسرائيل" للمشاركة في رسم هذا الواقع الجديد، فهي أيضاً قلقة من القوة الباكستانية، ولم يقفل حتى اليوم، ملف التحقيق في تسلل رجال الموساد إلى منطقة قرب المفاعل النووي الباكستاني في "كاهوتا" لتفجيره.
إذاً، كان مشرف يتحدث عن أفكار جدية، وهو أراد إبعاد الهند عن المشاركة العملية في التحالف ضد أفغانستان، بعرضه تقديم المساعدات التي قالت نيودلهي إنها جاهزة لتقديمها، وتصور أنه قادر بذلك، ليس على إبعاد الهند فقط، وتحجيم دورها في هذه الحرب، بل وأيضاً على المشاركة في ضبط إيقاع الحرب، بحيث لا تتجاوز حدوداً معينة.. ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الثمن المقابل.
التوقعات والحصاد
لنبدأ بالتوقعات الاقتصادية التي بالغ بعضهم في تصوير أهميتها. وسنكتشف على الفور أنها كانت مخيبة جداً. فعدا عن مبلغ الخمسين مليون دولار (حفنة الفستق) لم تتلق باكستان أية مساعدة أخرى، على العكس من ذلك، فقد عانى الاقتصاد خسائر إضافية، وتوقفت حركة التصدير، وطال الشلل قطاعات إنتاجية متعددة. أما إعادة جدولة الديون (38 مليار دولار) فلازالت وعداً، وهي كانت ستتم على أية حال، حتى دون أن تتخذ إسلام أباد الموقف الذي اتخذته، فمن يريد ديونه، سيتحرك هو بالذات لإعادة جدولتها.
في الجانب الآخر، لم تحظ قرارات مشرف، بأية شعبية، ومنذ الإعلان عنها، وحتى الآن، لم تخلُ شوارع باكستان من المظاهرات المناهضة للعدوان الأمريكي على أفغانستان، والمحتجة على مواقف حكومة مشرف، وبينما كان الأخير يصرح بأن "تأثير تظاهرات الدعم لطالبان في باكستان هامشي، وينظمها رجال دين متطرفون، وبعض اللاجئين الأفغان" وأن "الباكستانيين لا يشاركون فيها بأعداد كبيرة" كانت تظاهرة من مليون شخص فقط تسير في شوارع كراتشي وحدها. وكان حزب "الرابطة الإسلامية" (بزعامة نواز شريف) يشارك بثقل كبير في المظاهرات، الأمر الذي أظهر مشرف، وكأنه يريد الاختباء وراء إصبعه.
لقد سعى الرئيس الباكستاني، إلى التقليل الدائم من دور حكومته في الحرب على أفغانستان، فنفى أنه سيعطي الأمريكان تسهيلات عسكرية مباشرة، وعندما أخذت طائرات الهليوكبتر، تقلع من المطارات الباكستانية، وهي تقل أفراد الوحدات الخاصة الأمريكية، أو لتقصف كابول، وتقتل باكستانيين، بدأ بالتحدث عن أنه "يضمن عدم بقاء الأمريكيين الدائم في باكستان". والمسافة بين الأمرين بعيدة، وتشبه المسافة ما بين الاحتجاج السلمي على موقف الحكومة، وبين المطالبة بسقوط مشرف (على لسان قاضي حسين أحمد زعيم الجماعة الإسلامية المصنفة كاتجاه معتدل والمشاركة في مجلس الشيوخ) ومن ثم مهاجمة المطارات التي تضم قواعد للأمريكيين.
لقد أسهم خداع الحكومة في زيادة غضب الشارع الباكستاني، كما زادت في حدة هذا الغضب النتائج التي حصدتها البلاد جراء الموقف الحكومي، والتي يمكن إيجازها على النحو الآتي: