PDA

View Full Version : أفغنة العراق


ابو الامير
09-01-2003, 10:42 AM
أفغنة العراق

الأكراد وقطار الزحف الأميركي على بغداد




بقلم : علي الربيعو تركي

كاتب سوري



في كتابه <<أمة في شقاق: دروب كردستان كما سلكتها، 1997>> الذي يعد واحدا من اهم الكتب التي عالجت المسألة الكردية، ان لم يكن اهمها على الاطلاق، يعجب مؤلفه جوناثان راندل، من سلوك الغرب تجاه الاكراد، وخصوصا بعد حرب الخليج، فهي المرة الاولى التي يكتشف فيها الغرب الى الدرجة التي تفوق الدهشة <<ان بعض الاكراد شقر وذوو عيون زرق>> ص85 وكأن سبطا ضائعا من اسباط الغرب، لكي لا نقول من اسباط بني اسرائيل، تم العثور عليه فجأة في الركام الاثني للشرق الاوسط. وهذا ما جعلهم، اي الاكراد، يحصلون فجأة على ربع ساعة الشهرة التي وعد اندي وارهول جميع الناس بها في عصر التلفزيون، وعلى تعاطف دولي وإنساني بقضيتهم كما عبرت عن ذلك شخصيات سياسية وثقافية، تمثلت بزيارات مستمرة لكبار الشخصيات الثقافية والسياسية، من السيدة دانيال ميتران حرم رئيس الجمهورية الفرنسية فرانسوا ميتران آنذاك، الى الشخصيات الثقافية العربية التقدمية التي زارت شمال العراق مرارا عبر رحلات جماعية، وكتبت بحماسة عن مأساة الشعب الكردي وقضيته.

في الحقيقة، كان الاهتمام المفاجئ ببعض الاكراد وليس كلهم، يرتد الى عوامل سياسية افرزتها حرب الخليج الثانية، وليس لأن للأكراد عيونا زرق، فقد احتاجت الولايات المتحدة في حملتها على العراق الى جندرمة سياسية وعسكرية في الشمال العراقي، فعملت على تجنيد الاكراد في حملتها، خصوصا ان الاكراد مؤهلون لذلك، فسياسة اعمى وشحاذ السليمانية لا تزال قاعدة في شمال العراق، وهي السياسة التي يشرحها جوناثان راندل. فعندما سئل الملا مصطفى البارزاني، حليف اسرائيل على مدى عقد حرج كما يصفه راندل (ص243) من قبل مجموعة من النسوة الفلسطينيات عن علاقته بإسرائيل، اجاب قائلا: انا مثل الشحاذ الاعمى الواقف عند باب الجامع الكبير في مدينة السليمانية، والعاجز عن رؤية من يضع في يده الممدودة، قطعة نقدية>> (ص251)

ثمة حادثة اخرى يسوقها راندل، تشهد على ان الاكراد مأخوذون هم ايضا، الى درجة الدهشة، بأصحاب العيون الزرق من الاميركيين، فما ان يأمروهم حتى يطيعوا، وما ان يصرخوا بهم حتى ينفض الاشتباك في ما بينهم، والدليل ايضا يأتي به راندل. يقول: <<كنت في سيارة من طراز <<لاندروفر>> عندما التقى باصان مملوءان بالاكراد قادمان من جهتين متعاكستين، على طريق ضيقة فتحتها كاسحة الثلوج الوحيدة في المنطقة. ولم يرضَ اي من سائقي الباصين بأن يفسح في المجال امام الآخر للمرور، ولم يكن هناك من سبيل لمرورهما معاً. ومرت دقائق قبل ان ينزل ركاب الباصين فجأة، ويبدأوا بضرب بعضهم بعضا بعدما تذكروا، او تظاهروا بتذكر خلافات قديمة في ما بينهم، ولأن تبادل اللكمات لم يهدأ، ولأن جميع الرجال كانوا مسلحين، مثل اي كردي يحترم نفسه، برشاشات من طراز <<كلاشينكوف>>، وخوفا من حصول مجزرة دموية، تناولت رفشا من السيارة، وأزلت الثلج عن احد جانبي الطريق بما يكفي لوقوف سيارتي وأحد الباصين، ثم صرخت على الاكراد وقلت لهم إنني في عجلة من امري، ومع انهم لم يفهموا كلمة واحدة مما صحت به باللغة الانكليزية، لكن يظهر انني بدوت لهم غاضبا الى درجة انهم توقفوا فجأة عن تبادل اللكمات، وصعدوا بارتباك الى الباصين، فتوليت تنظيم السير>>.

لقد ظن الاميركيون انهم يستطيعون تنظيم السير في دروب كردستان الوعرة، وظن الاكراد المسكونون بهاجس <<ألف ثورة وألف حسرة>> ان الاميركيين سيعبدون طرق كردستان، وان <<بروفايد كومفورت>> ستوفر لهم ملجأ وحماية من نظام بغداد ونوما هنيئا تحت الرايات الخفاقة لمطاعم ماكدونالدز، التي ستنشر الامان والسلام بين السليمانية معقل الطالباني وبين اربيل معقل البارزاني، بحسب اطروحة توماس فريدمان التي ترى <<ان العواصم التي تستضيف ماكدونالدز لا يمكن لها إلا أن تستبعد كل حروبها وخلافاتها>>.

اعود للقول، لقد ظن الاميركيون انهم بصراخهم سيوقفون الاكراد عن تبادل اللكمات، وهكذا ظن قادة الحركة الكردية. ولكن يبدو ان الاميركيين مثل <<الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة>>. فقد تحارب الاخوة الاكراد حتى اصبحوا في منزلة <<الاخوة الاعداء>> وهلك منهم في هذه الحروب القبلية اكثر مما اوقع بهم صدام من نوازل، وانهزم العقل السياسي الكردي امام القبيلة والغنيمة، وتبيّن للجميع ان العقل السياسي الكردي لم يتجاوز حدود القبيلة والغنيمة في رؤيته للقضايا الوطنية وفي مقدمها مسألة الديموقراطية. وبدا كثير من المراقبين ان الانتلجنسيا الكردية ليست افضل من شقيقتها العربية، فهي محاصرة بين الولاء والطاعة من جهة وبين الهجرة والحنين الى الخارج، وطوبى للمهاجرين، وأن خطابها عن الديموقراطية والتعددية ليس إلا شعيرة حزبية وقبلية، هدفها السيطرة على الخطاب الديموقراطي المهترئ والضحك على الذقون كعادتنا العربية التي اقتبسها الاكراد، ولا عجب في ذلك، فقد اصبحنا نحن العرب، نموذجا يحتذى في هذا المجال، خصوصا في ما بعد الحادي عشر من ايلول الدامي.

في سياق هذا الواقع المتردي المحكوم بالقبيلة والغنيمة، هل سيجد الاكراد انفسهم، بعد مضي عقد كامل على حرب الخليج الثانية، في نفس الموقع؟ بمعنى هل سيخوضون حروبا عن الآخرين كعادتهم مكرهين عليها او موروثة عندهم؟ وهل سيقبل الاكراد بأن يكونوا جندرمة اميركية في طليعة القوات الاميركية الزاحفة على بغداد إذا حدث العدوان الاميركي على العراق؟.

على ان الاهم من هذه الاسئلة كلها: متى يبصر شحاذ السليمانية النور لينظر الى العملة الزائفة التي يلقيها الآخرون/ الاميركيون في يده؟

في رأيي ان هذا السؤال يندرج في اطار رؤية وطنية للقضية الكردية، رؤية تموضع الاكراد في المتن من الحالة الوطنية العراقية، لهم ما لها وعليهم ما عليها، خصوصا ان الحالة الكردية في شمال العراق هي حالة متقدمة في حقوقها السياسية والثقافية. فالمطلوب من شحاذ السليمانية فعلا ان يبصر النور ولا يقع في شراك أعداء العراق الذين يصرون على ان <<العراق دولة مصطنعة>> كما يقول جوناثان راندل. وفي رأيي، ان هذا المطلوب يقع على مستوى النيات الحسنة، وجهنم كما يقال مبطنة بأصحاب النوايا الحسنة. من هنا فإن الاحتمال الكبير، هو ان يركب الاكراد قطار الزحف الاميركي على بغداد، وأن يكونوا كطلائع قوات التحالف الشمالي في افغانستان التي زحفت على كابول تحت راية القاذفات العملاقة التي مهدت لها الطريق بقنابلها الخارقة التي تزن اكثر من خمسة عشر طنا، وهو سيناريو قد يتكرر في مناطق ودول اخرى متهمة بالارهاب. وفي هذه الحالة المختلفة عن حال حرب الخليج الثانية التي انتهت بتحرير الكويت، سيخسر الاكراد تعاطف الشعب العربي والشارع الثقافي مع قضيتهم وخصوصيتهم، وهذه قضية لا اظن أن الاكراد يودون التفريط بها، بالرغم من ان عربا كثيرين فرطوا بها.

اقول هنا، وأنا ضعيف الامل والثقة بقدرة الاكراد على الاستفادة من دروس الماضي القريب. فالعقل السياسي الكردي يقف عاجزا عن مراجعة تجاربه السياسية القاصرة. والسؤال: متى يبصر شحاذ السليمانية النور؟