PDA

View Full Version : تفاهة مقولة 'الرأي العام العالمي مؤثّر'؟!


غير شكل
06-09-2004, 07:38 PM
الرأي العام العالمي!!!!!!! جملة جميلة تحمل في طيّاتها مفهوما جماعيا ضاغطا بحسب الكثير من المحللين و المفكرين. ولكن هل هذا الكلام صحيح؟ وهل الرأي العام العالمي يستطيع أن يضغط لصالح أي قضية من القضايا العربية والإسلامية أو لصالح أي قضية إنسانية عادلة؟ الجواب في جعبة التاريخ والتجارب السابقة.

فقد اعتاد الكثير من المفكرين أو من العامة في العالم العربي القول بأن الرأي العام العالمي يلعب دورا كبيرا في قضايانا ولا يجب علينا أن نجعله يغيّر موقفه منّا حتى لو كان ذلك بمنع العمليات الاستشهادية ضدّ الصهاينة والمستوطنين أو حتى دفاعا عن النفس والأرض والشرَفْ في حالة الاحتلال التي يتعرض لها العراق.

ولكن ألا يحقّ لنا أن نسأل بدورنا ماذا قدّم الرأي العام الدولي ودعاته إلى القضية الفلسطينية ولشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين وإلى الشهداء والمعتقلين في السجون الإسرائيلية؟ ماذا قدّم خلال 56 سنة من الاحتلال؟ وماذا قدّم لأفغانستان وماذا فعل للعراق؟ سيقول البعض: التعاطف والتضامن، ولكن أين يمكن أن نصرف مثل هذه العبارات في ظل نظام عالمي متوحش ويكيل بعدة مكاييل حيث يأكل القوي فيه الضعيف، وحتى لو قدّم شيئا هل سيكون بمقدور مثل هذه التحركات تحرير بلد؟! أو رد مستعمر؟! أو القصاص من معتدي؟! بالتأكيد لا...وخير دليل على ذلك عدم قدرة أكبر تجمع لرأي عام عالمي في تاريخ البشرية إبان الحرب على العراق منع الحرب رغم عدالة القضية وكذب المعتدين الفاضح وخسّة الأهداف المنوي تحقيقها، بل إنّه لم يستطع حتى محاسبة المسئولين عن اندلاعها. ونزيد فنقول لن يستطيع أيضا فعل أي شيء لأنّ الكلام عن دور للرأي العام وهم وتخدير للشعوب المقهورة وتسلية للجنرالات والمسئولين و تنفيس للمخدوعين بما يسمى الديمقراطية, فعندما سأل أحد المراسلين مستشارة البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي الأمريكي كوندوليزا رايز: ما موقفكم من ملايين المتظاهرين ضد سعيكم بشن الحرب على العراق، أجابت: "إنّ هذا أمر جيد ويجب عليهم أن يتظاهروا ولكنّنا سنقوم بشن الحرب بغض النظر عن موقفهم". ما رأيكم؟؟!!!!.

ومع ذلك، فانّ هناك جهات لا تتفق مع وجهة نظرنا، وتقول إن الرأي العام العالمي يضغط بشكل فاعل ويعطي مثال على ذلك حرب فيتنام، وكيف أن الحرب الفيتنامية قد انتهت بفضل الرأي العام الأمريكي.

لكنّ هذا المثال في حقيقة الأمر غير دقيق وغير صحيحن إذ إنه لو افترضنا أن هناك دورا للرأي العام في السياسة الدولية وأنّ كافة الظروف متاحة ضمن المشاركة الشعبية التي تتيح للرأي العام بالتحرك، فانّ دور الرأي العام لا يخرج عن إطار مسارين لا ثالث لهما ولا يعتبر في كليهما بأنّه ضاغط على السلطة السياسية أو أنّ تحركه يستطيع أن يغيّر من أشكال المعادلة: المسار الأول، عند حلول موعد الانتخابات حيث يستطيع الرأي العام هنا أن يغيّر الشخصيّة التي ينقم عليها والتي لم تستجب لمطالبه أو طموحاته، وذلك عبر التصويت و لكن بطبيعة الحال بعد فوات الأوان و"خراب البصرة" كما يقال، وهذه الطريقة لن تمنع من سيأتي لاحقا بالقيام بنفس الدور الذي قام به سلفه. أما المسار الثاني، وهو الأكثر التباسا نظرا إلى أنّ الرأي العام يظن نفسه أنّه استطاع أن يجبر الطرف المناوئ له على تغير سياسته أو خطّته، ولكن ليس هذا ما يحصل في حقيقة الأمر و إنما تطابق مصالح الرأي العام و تقاطعها مع الفئة السياسية في ذلك الظرف بالتحديد هو الذي يدفع هذه الجهة الأخيرة إلى تغيير مواقفها وليس ما يعتقد وهما بأنه ضغط الرأي العام، فحرب فيتنام على سبيل المثال لم تنته لأنّ الرأي العام الأمريكي أراد إنهائها كما يعتقد البعض وإنما لأنّ الطبقة السياسية والعسكرية شعرت بعدم جدوى هذه الحرب و بالتالي قررت تغيير الموقف بإرادتها المتوافقة في ذلك الوقت مع احتجاج الرأي العام.

وفي النهاية وبناء على كل ما تمّ ذكره يجب أن يتم التصرف في كافة المسائل المتعلقة بالعالم العربي و الإسلامي بغض النظر عمّا يسمى بالرأي العام الغربي لأنّه ورقة فاشلة وللاستعراض فقط، ولكن لا يمنع ذلك تطابق مصلحتنا في ظرف من الظروف مع ضرورة مراعاة وكسب الرأي العام الغربي، ولكن ذلك استثناء وليس قاعدة ولا يمكن تطبيقها في جميع المسائل والظروف التي تعيشها المنطقة في الحرب والسلم والشدّة والرخاء.

بقلم: علي حسين باكير

05/09/2004

مجلة العصر