لمياء
03-09-2004, 07:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد :
فان أحسن الحديث كلام الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
اخواني ... أخواتي في الله ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اعلموا رحمكم الله إن الفتن تختلف وتتعدد بإختلاف التحذير منها بحسب خطر الوقوع فيها على المسلم الموحد .
فهناك من الفتن ماهو دون القتل ظلماً ، قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ، والمقصود بكلمة الفتنة هنا هي فتنة النظر .
وهناك ماهو أكبر من القتل ، قال تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ، والمقصود بكلمة الفتنة هنا هي فتنة الشرك والعياذ بالله منه .
وهناك فتن خفية لا يميز الرجل فيها بين الحق والباطل ، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : ( إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً و يمسي كافراً ، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، و القائم فيها خير من الماشي ، و الماشي فيها خير من الساعي قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : كونوا أحلاس بيوتكم ) . [ سنن أبي داود و وأخرجه احمد وذكره الحاكم ]
إذن فهناك فتن اعتزالها خيراً من الدخول والخوض فيها ، وتتفاوت الخيريه في هذا الوقت كلاً حسب مشاركته في الفتنة ، وخيرهم من لزم بيته وأغلق بابه عليه ، كما ذكر أحمد في المسند عن أبي ذر قال : ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم حماراً و أردفني خلفه و قال : ( يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( تعفف ، قال : يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد ـ يعني القبر ـ كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( اصبر ، قال : يا أبا ذر ، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً ـ يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء ـ كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( اقعد في بيتك و اغلق عليك بابك ) . قلت : فإن لم أترك فآخذ سلاحي ؟ قال : ( إذاً تشاركهم فيما هم فيه ، و لكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف ، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه و إثمك ) .
فهلا أغلقنا علينا بيوتنا حتى نكون كما اراد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون !!!
وهل علمنا أن الفتنة في القتال بين المسلمين أشد من الجوع والمرض اذي يصيب المسلمين ويهلكهم ، حتى تكون بيوتهم قبوراً لهم ؟
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً و يمسي كافراً ، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، و الماشي فيها خير من الساعي ، فكسروا قسيكم ، و قطعوا أوتاركم ، و اضربوا سيوفكم بالحجارة ، فإن دخل ـ يعني على أحد منكم ـ فليكن كخير ابني آدم ) . [ سنن أبي داود وأخرجه الترمذي]
وفي هذا الحديث الشريف ، يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم استخدام السلاح في الفتن التي لايعلم فيها أين الحق وأين الباطل بل أمرنا بكسره أو قطعه ، واللجوء إلى ملجاً أو مغاره في أعلى الجبال ، كما قال الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال مواضع القطر ، ناجياً بدينه من الفتن ) . [ البخاري ]
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ... فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) [ البخاري ]
ولكن ... هناك سلاح أشد من السلاح التقليدي وهو اولى بعدم استخدامه وقت الفتن بين المسلمين !!
وهو سلاح اللسان الذي يخوض في أعراض المسلمين كما هو الأن حاصل في هذا الزمان ، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يقولوا لمن يظنون أنه مخطىء : هذا كافر لن يخرج من النار وهذا فاسق سوف يعذبه الله وهذا مرتد سوف يدخل النار وهذا تكفيري متشدد في الدين أو هذا خارجي من الخوارج ، ولاحول ولاقوة إلا بالله .
وكان الرسول يحذر من هذا كما ثبت عنه في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ستكون فتنة صماء بكماء عمياء ، من أشرف لها استشرفت له ، وقع اللسان فيها أشد من وقع السيف ) . [سنن أبي داود] ومعنا استشرفت له : أي صرعته وأخذته .
وهذا لا يعني ان نسكت عن المنكر الواضح البين أو الكفر البواح الذي عليه من الله برهان ، ولكن أقصد من كلامي هذا في وقت الفتن وعدم التمييز فيها بين الحق والباطل ، فالسكوت عن أعراض المسلمين هو الحق والصواب الذي أمرنا الله به على لسان رسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
فإن كان الرجل قد أخطأ فله تبعته وأ مره إلى الله ، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه بما يستحق من العذاب ، ولن يضرك هذا أو ينفعك .
أما ان أصاب في هذا وقد قلت فيه ما قلت من الشتم والسب والجرأة على الله في تكفيره أو تخليده في النار فقد أخطأت ونلت نصيبك من التبعة يوم القيامة ، وهو خصمك أمام الله فاتقي الله يا عبدالله واحفظ لسانك عن أعراض المسلمين وخاصة الأموات منهم ، فهم في رحمة الله إن شاء الله ، إلا أن كان فعلهم كفر بواحاً ليس فيه تأويل .
وقد يتسأل المسلم ويقول : ما بال أمة الإسلام هكذا صارت ، يقتل بعضهم بعضاً ، ودعواهم واحده .. ولاحول ولاقوة إلا بالله ؟
فأقول : قال الله تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون }
وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : " ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان, كما جاء في الحديث الصحيح : ( أشد الناس بلاء الأنبياء, ثم الصالحون, ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ) .
ثم قال رحمه الله : " ولهذا قال ههنا { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه, والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون, وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة, وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: { إلا لنعلم } إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود, والعلم أعم من الرؤية, فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.
وقوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان, فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم, ولهذا قال: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا(( أي يفوتونا )) ساء ما يحكمون } أي بئس ما يظنون . أهـ
ويعرف الإنسان أنه وقع في الفتنة بهذا الأثر عن حذيفة رضي الله عنه - الفقيه بالفتن وما ورد فيها- كما جاء عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، أنه قال : ( إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا ؛ فلينظر فإن كان رأى حلالاً كان يراه حراماً فقد أصابته الفتنة ، وإن كان يرى حراماً كان يرى حلالاً فقد أصابته الفتنة ) أهـ
وختاماً أقول كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث المنام الطويل وفيه : ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، و ترك المنكرات ، و حب المساكين ، و أن تغفر لي و ترحمني ، و إذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون ، و أسألك حبك و حب من يحبك ، و حب عمل يقربني إلى حبك ) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إنها حق فادرسوها و تعلموها ) [ مسند أحمد وغيره ]
قال بن كثير رحمه الله : " وهذا الحديث دالة على أنه يأتي على الناس زمان شديد لا يكون للمسلمين جماعة قائمة بالحق إما في جميع الأرض وإما في بعضها " أهـ
هذا والله أعلم وهو المستعان
نسأل الله الكريم المنان أن يحيينا مسلمين، و أن يتوفانا مسلمين، و أن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين برحمته وهو أرحم الراحمين.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلىآله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخوكم في الله المحب لكم
أبو عبدالله
*******
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد :
فان أحسن الحديث كلام الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
اخواني ... أخواتي في الله ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اعلموا رحمكم الله إن الفتن تختلف وتتعدد بإختلاف التحذير منها بحسب خطر الوقوع فيها على المسلم الموحد .
فهناك من الفتن ماهو دون القتل ظلماً ، قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ، والمقصود بكلمة الفتنة هنا هي فتنة النظر .
وهناك ماهو أكبر من القتل ، قال تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ، والمقصود بكلمة الفتنة هنا هي فتنة الشرك والعياذ بالله منه .
وهناك فتن خفية لا يميز الرجل فيها بين الحق والباطل ، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : ( إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً و يمسي كافراً ، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، و القائم فيها خير من الماشي ، و الماشي فيها خير من الساعي قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : كونوا أحلاس بيوتكم ) . [ سنن أبي داود و وأخرجه احمد وذكره الحاكم ]
إذن فهناك فتن اعتزالها خيراً من الدخول والخوض فيها ، وتتفاوت الخيريه في هذا الوقت كلاً حسب مشاركته في الفتنة ، وخيرهم من لزم بيته وأغلق بابه عليه ، كما ذكر أحمد في المسند عن أبي ذر قال : ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم حماراً و أردفني خلفه و قال : ( يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( تعفف ، قال : يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد ـ يعني القبر ـ كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( اصبر ، قال : يا أبا ذر ، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً ـ يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء ـ كيف تصنع ؟ ) قلت : الله و رسوله أعلم . قال : ( اقعد في بيتك و اغلق عليك بابك ) . قلت : فإن لم أترك فآخذ سلاحي ؟ قال : ( إذاً تشاركهم فيما هم فيه ، و لكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف ، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه و إثمك ) .
فهلا أغلقنا علينا بيوتنا حتى نكون كما اراد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون !!!
وهل علمنا أن الفتنة في القتال بين المسلمين أشد من الجوع والمرض اذي يصيب المسلمين ويهلكهم ، حتى تكون بيوتهم قبوراً لهم ؟
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً و يمسي كافراً ، و يمسي مؤمناً و يصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم ، و الماشي فيها خير من الساعي ، فكسروا قسيكم ، و قطعوا أوتاركم ، و اضربوا سيوفكم بالحجارة ، فإن دخل ـ يعني على أحد منكم ـ فليكن كخير ابني آدم ) . [ سنن أبي داود وأخرجه الترمذي]
وفي هذا الحديث الشريف ، يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم استخدام السلاح في الفتن التي لايعلم فيها أين الحق وأين الباطل بل أمرنا بكسره أو قطعه ، واللجوء إلى ملجاً أو مغاره في أعلى الجبال ، كما قال الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال مواضع القطر ، ناجياً بدينه من الفتن ) . [ البخاري ]
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ... فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) [ البخاري ]
ولكن ... هناك سلاح أشد من السلاح التقليدي وهو اولى بعدم استخدامه وقت الفتن بين المسلمين !!
وهو سلاح اللسان الذي يخوض في أعراض المسلمين كما هو الأن حاصل في هذا الزمان ، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يقولوا لمن يظنون أنه مخطىء : هذا كافر لن يخرج من النار وهذا فاسق سوف يعذبه الله وهذا مرتد سوف يدخل النار وهذا تكفيري متشدد في الدين أو هذا خارجي من الخوارج ، ولاحول ولاقوة إلا بالله .
وكان الرسول يحذر من هذا كما ثبت عنه في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ستكون فتنة صماء بكماء عمياء ، من أشرف لها استشرفت له ، وقع اللسان فيها أشد من وقع السيف ) . [سنن أبي داود] ومعنا استشرفت له : أي صرعته وأخذته .
وهذا لا يعني ان نسكت عن المنكر الواضح البين أو الكفر البواح الذي عليه من الله برهان ، ولكن أقصد من كلامي هذا في وقت الفتن وعدم التمييز فيها بين الحق والباطل ، فالسكوت عن أعراض المسلمين هو الحق والصواب الذي أمرنا الله به على لسان رسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
فإن كان الرجل قد أخطأ فله تبعته وأ مره إلى الله ، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه بما يستحق من العذاب ، ولن يضرك هذا أو ينفعك .
أما ان أصاب في هذا وقد قلت فيه ما قلت من الشتم والسب والجرأة على الله في تكفيره أو تخليده في النار فقد أخطأت ونلت نصيبك من التبعة يوم القيامة ، وهو خصمك أمام الله فاتقي الله يا عبدالله واحفظ لسانك عن أعراض المسلمين وخاصة الأموات منهم ، فهم في رحمة الله إن شاء الله ، إلا أن كان فعلهم كفر بواحاً ليس فيه تأويل .
وقد يتسأل المسلم ويقول : ما بال أمة الإسلام هكذا صارت ، يقتل بعضهم بعضاً ، ودعواهم واحده .. ولاحول ولاقوة إلا بالله ؟
فأقول : قال الله تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون }
وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : " ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان, كما جاء في الحديث الصحيح : ( أشد الناس بلاء الأنبياء, ثم الصالحون, ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء ) .
ثم قال رحمه الله : " ولهذا قال ههنا { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه, والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون, وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة, وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: { إلا لنعلم } إلا لنرى وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود, والعلم أعم من الرؤية, فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.
وقوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان, فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم, ولهذا قال: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا(( أي يفوتونا )) ساء ما يحكمون } أي بئس ما يظنون . أهـ
ويعرف الإنسان أنه وقع في الفتنة بهذا الأثر عن حذيفة رضي الله عنه - الفقيه بالفتن وما ورد فيها- كما جاء عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، أنه قال : ( إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا ؛ فلينظر فإن كان رأى حلالاً كان يراه حراماً فقد أصابته الفتنة ، وإن كان يرى حراماً كان يرى حلالاً فقد أصابته الفتنة ) أهـ
وختاماً أقول كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث المنام الطويل وفيه : ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، و ترك المنكرات ، و حب المساكين ، و أن تغفر لي و ترحمني ، و إذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون ، و أسألك حبك و حب من يحبك ، و حب عمل يقربني إلى حبك ) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إنها حق فادرسوها و تعلموها ) [ مسند أحمد وغيره ]
قال بن كثير رحمه الله : " وهذا الحديث دالة على أنه يأتي على الناس زمان شديد لا يكون للمسلمين جماعة قائمة بالحق إما في جميع الأرض وإما في بعضها " أهـ
هذا والله أعلم وهو المستعان
نسأل الله الكريم المنان أن يحيينا مسلمين، و أن يتوفانا مسلمين، و أن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين برحمته وهو أرحم الراحمين.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلىآله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخوكم في الله المحب لكم
أبو عبدالله
*******