PDA

View Full Version : شكرا لتبرعاتكم


فتى دبي
13-04-2002, 10:14 AM
جلست أتابع ساعات الحملة التي رعتها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية، والتي نقلها تلفزيون دبي على الهواء مباشرة يوم الثلاثاء الموافق 9/4/2002 من الثالثة ظهرا حتى ما بعد منتصف الليل.


جلست اتابع تلك الارقام التي بدأت تتوالى على التلفاز، وصارت المبالغ تتضاعف، ومن مختلف طبقات هذا الشعب العربي المهضوم حقه على مرأى ومسمع من دول العالم.


جلست اتابع المتبرعين الذين كانت انفاسهم تنبض بالحب، وتفيض بالعواطف الجياشة نحو شعب فلسطين الاعزل. هذا الشعب الذي استحق بكل جدارة ان تقف الشعوب العربية كلها خلفه اجلالاً لموقفه الشجاع، واعجاباً ببسالة ابنائه الذين خذلوا ظنون جيوش العدو.


نعم ان الاعداء داهموا بيوتهم ومخيماتهم ومؤسساتهم، لكنهم ما استطاعو ان يداهموا قلوبهم العامرة بحب الوطن والارض والمقدسات.


جلست اتابع المتبرعين الذين اندفعوا نحو الحملة التي استقبلت تبرعاتهم، فصار كل يتبرع بمقدار استطاعته، فمنهم من يتبرع بمبلغ كبير فائض عنده، ومنهم من يتبرع على حساب اطفاله، ومنهم من يتبرع بمبلغ صغير جدا ليعبر عن مشاعره.


وانني اعتقد ان هذا المبلغ الصغير يحمل معنى أكبر بكثير من تلك المبالغ، ولاسيما عندما يتبرع به طفل صغير.


هذا الطفل الصغير سوف يعيش على هذا الشعور، ويتربى على حب الخير والنخوة، والتعاون والوقوف مع اخوانه العرب والمسلمين اينما وجدوا.


مثل هذا التبرعات تؤكد لنا وتجدد المعاني الاسلامية الجميلة التي يحملها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: المسلمون كالجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.


نعم اننا العرب في كل مكان نتألم عندما نشاهد مشاهد القتل والدمار في مناطق اخواننا الفلسطينيين، ولكن ما الحيلة؟ ان العين بصيرة واليد قصيرة.


ان الموقف اكبر مما نتصوره نحن هنا، والانتصار على عدو يملك كل وسائل التدمير والتنكيل والقتل مثل عدونا لا يكون بالكلمات، ولا بالتنديد ولا بالشجب، ولا بالقرارات الفردية.


ان الموقف يتطلب ارادة قوية، وتضحية أكبر، واقداما كإقدام عمر وصلاح الدين.


يتطلب الموقف ان تتوحد الرؤى والمواقف والقرارات هنا وهناك، ولن يتحقق ذلك الا اذا تناسينا الاحقاد القديمة، وتنازلنا عن كثير من كبريائنا ورغباتنا الشخصية.


ـ ان هذا الموقف يتطلب منا ان نؤمن بالله الواحد أولاً، ثم نؤمن بكرامة الانسان الذي خلقه الله لعمارة الكون بالطاعة، ولا فرق في ذلك بين جنس وجنس ولا جنسية وجنسية ما دام الانسان يدافع عن عقيدته وارضه وعرضه وكرامته.


في هذا اليوم تكاد الشعوب العربية كلها تتفق على أن عدوهم واحد، وان الذي ينصرهم على عدوهم هو تكاتفهم وتوحدهم.


واذا كان بعضهم يقف على خط النار ويشتبك مباشرة مع العدو، وبعضهم على مرمى بصر من العدو، وآخرون بعيدون عن العدو فإن حقيقة الامر توحي الينا بأن مصيرنا واحد.


فالذي لم يباغته العدو اليوم سوف ينال حتفه على يديه غداً، فمن سكت اليوم عن اخيه الفلسطيني فإنه يتعجل لحتفه غداً، اذ ان المثل يقول اكلت يوم أكل الثور الابيض. نعم ان عدونا لا صديق له في البلدان العربية ولا الاسلامية، وهو يعلم ذلك تماما، لذلك فانه لا يسلم نفسه لاحد، بل يطلب منا ان نسلم انفسنا له.


انني في الواقع اجد شعوبنا وحكوماتنا مغلوبة على أمرها، والا فانها تملك قلوبا مفعمة بالرحمة، ومؤمنة بالتعاون والتناصر، لكنه كما قال الشاعر: أريد أضحك للدنيا فيمنعني ان عاقبتني على بعض ابتساماتي هاج الجواد فعضّته شكيمته شُلَت أنامل صناع الشكيمات


ان هذه الحملات التبرعية التي تقام على أرض الامارات، بل على أرض الخليج الطيبة، وهذه التظاهرات والاعتصامات والصرخات التي تنطلق من هنا وهناك ما هي إلا ظواهر طبيعية تنبعث من الشعب العربي المسلم لأخيه العربي المسلم أينما وجد.


وهذه ان دلت على شيء فإنما تدل على أن اصحابها مستعدون ان يضحوا بكل غال ونفيس في سبيل الحفاظ على كرامة الانسان العربي.


فمنهم من ضحى بروحه كما نرى في فلسطين، ومنهم من يضحي بماله كما نرى في بلاد الخليج، ومنهم من يقود المسيرات الاحتجاجية كما نرى في سائر الوطن العربي.


نعم ليس هناك أغلى من الوطن، فاذا فقد الانسان ارضه فقد كرامته، والعربي اليوم أمام بلاء كبير، وابتلاء اكبر.


ان الله سبحانه وتعالى قادر على ان ينصر عباده في فلسطين بجنود من عنده، لكن يريد ان يمتحن عباده في كل البلاد العربية ليعرف مدى ما تبقى عندهم من غيرتهم على المقدسات، وحبهم لنصرة المستغيث.


واليوم لا اعتقد اننا في حاجة الى أن نرى أكثر مما رأينا في وجوه اخواننا في فلسطين، وما شاهدناه من تنكيل بهم، ويا لفظاعة الموقف حيث يحرقون ويقتلون ويذبحون ويعذبون كبارا وصغارا من غير رحمة، وتنقل القنوات الفضائية تلك المشاهد لتكون حجة علينا جميعا يوم القيامة.


هذه الجثث الملقاة على الارض، وتلك الاجسام المقطعة اربا اربا هناك وهنا سوف تقف يوم القيامة أمام رب العالمين كما تقف الموءودة، لتحاجج امتناوتقول لربها يا رب: سل أمتنا لماذا سكتوا عنا؟ ألم نكن نحن منهم؟ ألم تجمعنا بهم أواصر الدم واللغة والأرض والتاريخ، فلماذا اذن استهانوا بدمائنا التي سالت وهي زكية؟ لا شك أن السؤال صعب، والجواب أصعب.


لذلك فإنني اشكر كل من دفعته غيرته ليحمل لواء المبادرة بالتبرع المادي حكومة وشعباً وهم يقولون: اللهم هذا الذي قدرنا، ولاتؤاخذنا فيما لانقدر.


وأسأل الله أن يأتي يوم تتوحد القلوب والرؤى والمواقف، فيتخذون قراراً جماعياً ليستأصلوا الشر من جذوره، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.


نعم.. إن المستنجد والمستغيث اليوم يستنجد بالعروبة لإنقاذ فلسطين وشعب فلسطين، ولا يكاد يذكر المسجد الاقصى، لكن في النهاية يجب ان لا ننسى المسجد الاقصى. فالمسجد الاقصى هو الذي يجمع العرب والمسلمين، ويوحد صفوفهم، فمن اراد الدفاع عن الحرمين وجب عليه الدفاع عن الاقصى ايضاً، لأنه القبلة الاولى.


ثم إن الذي يتنازل عن البعوضة يتنازل عن الجمل ايضاً، إذن لا فرق في كفاحنا مع العدو بين الدفاع عن آخر جزء من وطننا العربي وبين قلب الوطن العربي، فلنشارك إخواننا الفلسطينيين بالقول والفعل ونردد معهم: خمسين عاماً قد قضيت بغربة متشتتاً من محنة ولمحنة يَزداد اعدائي عليّ ضراوة فأروح ازداد اليقين بثورتي إني سأبقى هاهنا متمسكاً بغصون زيتون وظل الكرمة سيروح يَحفر لي خنادقَ ذلة وأروح أَرسم عزة في بسمتي يا غدر إني سوف أبقى صامداً لا لن تخر لغير ربي جبهتي


أقول هذا هو منطق من يؤمن بالله، ويعتبر الدفاع عن مقدساته جزءاً من ايمانه بالله أليس كذلك؟