ابو الامير
16-08-2002, 04:05 PM
الاستراتيجية الصهيونية- "الإسرائيلية" :
تنبع الاستراتيجية "الإسرائيلية" من الصيغة الصهيونية الشاملة (شعب عضوي منبوذ لا نفع له ، يتم نقله خارج أوروبا ليتحول إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية ، نظير أن تقوم الدول الغربية بدعمه وضمان بقائه واستمراره) . ويتطلب تطبيق هذه الصيغة عمليتي نقل سكاني : نقْل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من المنفى إلى فلسطين ، ونقْل العرب من فلسطين إلى أي منفى .
وتترجم هذه الصيغة نفسها على مستوى الاستراتيجية إلى رؤية للذات (الوافد المستوطن) ورؤية للآخر (السكان الأصليين) وطبيعة العلاقة بينهما وكيفية حسم الصراع . فعلى مستوى الذات تنبع الرؤية الاستراتيجية الصهيونية- "الإسرائيلية" من الإيمان بأن اليهود شعب واحد ، وأن المستوطنين الصهاينة هم طليعة هذا الشعب ، وأن مركزه هو الدولة الصهيونية في فلسطين المحتلة .
هذه الدولة ستُنصِّب نفسها الحامية والراعية للشعب اليهودي بأسره أينما كان ، وهي ملجأ لهذا الشعب حينما يضيق عليه الخناق . ولكن الشعب اليهودي في المنفى هو مجرد هامش وجزء ، فالكل والمركز هو المستوطن الصهيوني والمستوطنون الصهاينة ، فهم الذين سيقومون بتخليص "الأرض القومية" من السكان الأصليين ، ولابد أن تتم تنشئة أبنائهم تنشئة قومية صارمة تستند إلى وعي عميق بالمشروع الصهيوني ، وبذلك تتبلور شخصيتهم القومية ، ويتخلّصون من أدران المنفى ومن طفيلية الشخصية اليهودية الجيتوية ، ويحققون قدراً كبيراً من التماسك الحضاري والعرقي ، ويحافظون على سيادتهم كشعب يهودي مستقل .
ورغم أن أعضاء هذا الشعب اليهودي منتشرون في أنحاء الأرض وسيأتي كل واحد منهم حاملاً هوية حضارية مختلفة ، فإنهم سيتم صهرهم في بوتقة واحدة ليصبحوا شعباً واحداً بحق (وهذا الجانب من الاستراتيجية الصهيونية هو مجرد ادعاءات أيديولوجية براقة تستخدم في الدعاية . وقد تم إسقاطها تماماً في الخطاب الصهيوني في السبعينيات ولم يَعُد لها من صدى إلا في كتابات بعض المتزمتين الهامشيين) .
وبما أن المستوطنين الصهاينة سيعيشون في بيئة معادية لهم ، فإنهم كجماعة بشرية لابد أن يحققوا تفوقاً اقتصادياً (صناعياً وزراعياً) وأن يؤسسوا قاعدة تكنولوجية عصرية لتحقيق الاكتفاء الذاتي . ولابد أن يتمتع المستوطنون بمستوى معيشي مرتفع لضمان بقائهم حسب الشروط الصهيونية ولضمان بقاء الدولة الصهيونية (داخل حدودها التي لم يتم تحديدها) وحتى يمكن إغراء المزيد من المهاجرين للقدوم إليها ، ويتطلب المشروع الصهيوني توثيق العلاقة مع يهود العالم باعتبارهم مصدراً أساسياً من مصادر الدعم السياسي والمالي والمادة البشرية الاستيطانية .
هذه هي رؤية الذات ، أما بالنسبة لرؤية الآخر ، فالعالم بالنسبة للصهاينة يشكل دائرتين حضاريتين أساسيتين متعارضتين وإن تداخلتا جغرافياً . أما الدائرة الأولى فهي العالم الغربي الذي يضم غالبية يهود العالم . ورغم أن هذا العالم الغربي هو الذي اضطهد اليهود عبر تاريخهم ، ونكّل بهم وبآبائهم ، فإن الصهاينة يتناسون هذا تماماً (إلا في مجال زيادة ما يُسمّى "الوعي اليهودي" ومحاولة تعميق الإحساس بالذنب في الوجدان الغربي حتى يتسنى توظيفه في خدمة الصهاينة) ويحصرون عداءهم للغرب في ألمانيا النازية .
ويؤكد الصهاينة أن الدولة الصهيونية تنتمي للحضارة الغربية بكل قيمها وتوجهاتها ومصالحها . والتشكيل الإمبريالي الغربي هو الذي قام بتبني المشروع الصهيوني من البداية ، فساعد على نقل الكتلة البشرية وقام بتغطية المستوطن الصهيوني ، من الناحية العسكرية والاقتصادية ، أثناء مرحلة التأسيس ، أي قبل قيام الدولة . ثم استمر في دعمه مالياً واقتصادياً وعسكرياً بعد قيامها . وهو لا يزال يضمن ، من خلال هذا الدعم المستمر ، بقاء الدولة الصهيونية واستمرارها ورخاءها . ولذا تحرص هذه الدولة على الإبقاء على علاقات وثيقة مع كل المجتمعات الغربية ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص . والدولة الصهيونية ترى مصالحها الاستراتيجية باعتبارها متفقة تماماً مع المصالح الاستراتيجية الغربية (إن لم تكن جزءاً عضوياً منها) ومن ثم فهي قادرة على خدمة أهداف الغرب الاستراتيجية . ولذا تحدد "إسرائيل" أولوياتها الاستراتيجية في ضوء الأولويات الاستراتيجية الغربية . وهي دائماً مستعدة لتغيير وتبديل أولوياتها في ضوء ما قد يطرأ من تغيرات وتعديلات على الأولويات الغربية . فالدولة الوظيفية الصهيونية ، إن لم تفعل ذلك ، وجدت نفسها بلا وظيفة تؤديها ولا دور تلعبه . وعلى سبيل المثال فإن العدو الأكبر للحضارة الغربية في الستينيات كان القومية العربية ، فهي التي كانت تحمل لواء المقاومة ضد الإمبريالية الغربية ، ومع انحسار التيار القومي العربي والتيار الماركسي نسبياً (وسقوط ثم اختفاء الكتلة الاشتراكية) وظهور الحركة الإسلامية ، أصبح العدو الأول للغرب هو الإسلام والحركات الإسلامية . ولذا كان عدو الدولة الصهيونية الأول آنذاك هو القومية العربية ، أما في الوقت الراهن فقد أصبحت الأصولية الإسلامية هي الخطر الجديد الزاحف ، الممتد من منطقة الشرق الأوسط إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ، باعتبار أن هذا هو الخطر الذي يتهدد الدول الغربية وروسيا ، وأصبحت مواجهة الإرهاب تمثل الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الصهيونية "الإسرائيلية" . "وإسرائيل" بذلك تخلق لنفسها دوراً جديداً تقوم من خلاله بأداء وظيفتها تجاه الغرب والولايات المتحدة وهو يتفق مع دورها في إطار النظام العالمي الجديد ، إذ يمكنها أن تبني الجسور لتتواصل من خلالها مع بعض النخب العربية التي تم تغريبها. وبذلك تعوّض الدولة الصهيونية ما فقدته من مكانة استراتيجية متميزة عقب انتهاء الحرب الباردة .
وتحرص الدولة الصهيونية على أن تبين مقدرتها على البقاء والعمل على أداء وظيفتها القتالية والاقتصادية دون أن يتحمل الراعي الإمبريالي تكلفة عالية . وهذا يتطلب وجود مؤسسة عسكرية ضخمة معبأة بشرياً ومادياً تشرف على كل النشاطات في المجتمع .
ثم نأتي للرؤية الصهيونية للآخر الذي يقع خارج العالم الغربي ، أي "الشرق" ، ويمكن تخيّل هذا الشرق باعتباره عدة دوائر متداخلة أوسعها دول آسيا وأفريقيا ، وتتفاوت هذه الدول في أهميتها . ويهتم الفكر الاستراتيجي "الإسرائيلي" بالدول الواقعة على سواحل البحر الأحمر والمتوسط والدول التي توجد في أعالي النيل . وتوجد داخل هذه الدول دول "صديقة" أو دول يمكن شراؤها تدور في فلك الغرب وتمثل مجالاً حيوياً "لإسرائيل" يمكن أن يساعدها على التغلغل في آسيا وأفريقيا والالتفاف حول العالم العربي وكسر طوق الحصار الذي يُفرض على "إسرائيل" ، بل يمكن من خلالها الضغط عليه . كما توجد دول معادية إما لأن مصالحها مرتبطة بمصالح الدول العربية أو بسبب توجهها الأيديولوجي .
ولكن أشد الدول عداءً وأكثرها خطراً داخل هذه الدائرة الأولى هي الدول الإسلامية مثل باكستان وإيران التي تشكل بمكانتها وتوجهاتها الاستراتيجية خطراً على الأمن "الإسرائيلي" . ويوجد داخل هذه الدائرة العريضة دائرة الدول العربية الواقفة وراء دول المواجهة والتي تساند دول المواجهة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً . كما يمكنها أن تشكل أداة ضغط على الصعيد العالمي لصالح دول المواجهة . ثم تأتي أخيراً دول المواجهة وهي مصر وسوريا والأردن ، وفي مركز الدائرة توجد "إسرائيل" .
وتذهب الاستراتيجية "الإسرائيلية" إلى أن اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة ("وإسرائيل" على كل هي نتاج المنظومة الداروينية الغربية ، ووجودها ثمرة القوة والعنف) ، وأن صالح "إسرائيل" والعالم الغربي هو إبقاء العالم العربي في حالة تجزئة وفرقة (وهذا على كل ، بُعد أساسي في الاستراتيجية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر) . ويمكن تحقيق حالة التجزئة هذه من خلال اتفاقيات السلام المختلفة ، وخلق مصالح اقتصادية متضاربة ومتناقضة بين الدول العربية ، على أن تمسك "إسرائيل" بالخيوط الأساسية وأن تصبح النقطة التي تتفرع منها كل القنوات الاقتصادية ، فتصب فيها التكنولوجيا الغربية ورأس المال الغربي، وتقوم هي بتوزيعها بما يتفق مع مصلحة الغرب الاستراتيجية .
ويُقسَّم العالم العربي ، من المنظور الاستراتيجي الصهيوني "الإسرائيلي" إلى أربعة أقسام :
*دائرة الهلال الخصيب وتتناوب كل من سوريا والعراق قيادتها .
*دائرة وادي النيل وتمثل مصر الدولة الرائدة فيها .
*دائرة شبه الجزيرة العربية وتمثل السعودية الدولة القائدة فيها .
*دائرة المغرب العربي وعلى رأسها المغرب والجزائر .
وتتمثل الاستراتيجية "الإسرائيلية" للتعامل مع هذه الدوائر في العمل على منع التقائها أو تعاونها لما يشكله مثل هذا التعاون من خطورة على الأمن "الإسرائيلي" ، نظراً للإمكانات الضخمة التي تملكها كل دائرة إذا ما تعاونت مع غيرها . ولذا تصر "إسرائيل" على ضرورة مواجهة كل دولة عربية على حدة سواء في الحرب أم في السلم . ومن هنا تصوّر "إسرائيل" للعالم العربي باعتباره "المنطقة" ، أي منطقة جغرافية لا يربطها رابط تاريخي تنقسم إلى دويلات صغيرة تتنازعها الانقسامات الطائفية بحيث تصبح هذه الدويلات الطائفية فاقدة لكل عناصر القوة وبشكل تقع فيه تحت السيطرة "الإسرائيلية" ، والخطط "الإسرائيلية" المستقبلية بهذا الشأن.
1– التعامل مع الدائرة الأولى (الهلال الخصيب) :
أ ) كانت الاستراتيجية "الإسرائيلية" في الماضي تهدف إلى احتلال الأردن وتجزئته ونقل السلطة فيه للفلسطينيين وتهجير عرب الضفة وغزة للسكن فيه للتخلص من الكثافة العربية في الأرض الفلسطينية . ولكن الاستراتيجية الآن هي تحييد الأردن وكسبه لصف "إسرائيل" والتلويح بالمكاسب الاقتصادية حتى يشارك الأردن في عملية حصار الفلسطينيين واستيعابهم داخل أي إطار سياسي اقتصادي ، ليتحولوا من قوة ذاتية داخل التشكيل الحضاري العربي إلى مجموعة بشرية مشتتة ذات توجهات اقتصادية ضيقة مباشرة .
ب) كانت الاستراتيجية "الإسرائيلية" في الماضي ترى ضرورة تجزئة لبنان إلى خمس مقاطعات : درزية في الشوف ، ومارونية في كسروان ، وشيعية في الجنوب والبقاع ، وسنية في طرابلس ، ودولة سنية أخرى في بيروت . وستكون هذه التجزئة كسابقة للعالم العربي وبداية المسيرة في هذا الاتجاه .
جـ ) كما كان التصور الاستراتيجي "الإسرائيلي" يذهب إلى ضرورة تقسيم سوريا والعراق في مرحلة لاحقة إلى مناطق عرقية أو دينية خالصة ، فتُقسّم سوريا إلى دولة شيعية علوية على طول الساحل السوري ، ودولة سنية في حلب ، ودولة سنية معادية لها في دمشق ، ودولة درزية في حوران والجولان . أما العراق فإنه يمثل –بسبب الثروة النفطية- مصدر تهديد "لإسرائيل" ، ولذا فيمكن تمزيقه إلى أجزاء تتمحور حول المدن الكبرى ، دولة شيعية في الجنوب حول البصرة ، ودولة سنية حول بغداد ، ودولة كردية حول الموصل . ولكن لاعتبارات استراتيجية محلية وعالمية ، ومع ظهور النظام العالمي الجديد ، أصبحت الاستراتيجية "الإسرائيلية" لا تهدف إلى تقسيم هذه البلاد ، وإنما الاستفادة من بعض الثغرات الموجودة في بعض البلدان العربية مثل النزاعات الطائفية في لبنان أو مصر والنزعات الانفصالية في العراق والسودان .
2– الدائرة الثانية (وادي النيل) :
بالنسبة لمصر ، تهدف الاستراتيجية "الإسرائيلية" إلى تحطيم فكرة أن مصر الزعيمة القوية للعالم العربي وإلى تشجيع الصراعات بين المسلمين والأقباط وإضعاف الدولة المركزية والسعي إلى قيام عدد من الدول الضعيفة ذات قوى محلية وبدون حكومة مركزية. وأما الدول المجاورة مثل السودان فمصيرها هو التقسيم، وعزل الجنوب ، الذي يضم منابع النيل، ليشكل ذلك نقطة ضعف على مصر .
تنبع الاستراتيجية "الإسرائيلية" من الصيغة الصهيونية الشاملة (شعب عضوي منبوذ لا نفع له ، يتم نقله خارج أوروبا ليتحول إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية ، نظير أن تقوم الدول الغربية بدعمه وضمان بقائه واستمراره) . ويتطلب تطبيق هذه الصيغة عمليتي نقل سكاني : نقْل بعض أعضاء الجماعات اليهودية من المنفى إلى فلسطين ، ونقْل العرب من فلسطين إلى أي منفى .
وتترجم هذه الصيغة نفسها على مستوى الاستراتيجية إلى رؤية للذات (الوافد المستوطن) ورؤية للآخر (السكان الأصليين) وطبيعة العلاقة بينهما وكيفية حسم الصراع . فعلى مستوى الذات تنبع الرؤية الاستراتيجية الصهيونية- "الإسرائيلية" من الإيمان بأن اليهود شعب واحد ، وأن المستوطنين الصهاينة هم طليعة هذا الشعب ، وأن مركزه هو الدولة الصهيونية في فلسطين المحتلة .
هذه الدولة ستُنصِّب نفسها الحامية والراعية للشعب اليهودي بأسره أينما كان ، وهي ملجأ لهذا الشعب حينما يضيق عليه الخناق . ولكن الشعب اليهودي في المنفى هو مجرد هامش وجزء ، فالكل والمركز هو المستوطن الصهيوني والمستوطنون الصهاينة ، فهم الذين سيقومون بتخليص "الأرض القومية" من السكان الأصليين ، ولابد أن تتم تنشئة أبنائهم تنشئة قومية صارمة تستند إلى وعي عميق بالمشروع الصهيوني ، وبذلك تتبلور شخصيتهم القومية ، ويتخلّصون من أدران المنفى ومن طفيلية الشخصية اليهودية الجيتوية ، ويحققون قدراً كبيراً من التماسك الحضاري والعرقي ، ويحافظون على سيادتهم كشعب يهودي مستقل .
ورغم أن أعضاء هذا الشعب اليهودي منتشرون في أنحاء الأرض وسيأتي كل واحد منهم حاملاً هوية حضارية مختلفة ، فإنهم سيتم صهرهم في بوتقة واحدة ليصبحوا شعباً واحداً بحق (وهذا الجانب من الاستراتيجية الصهيونية هو مجرد ادعاءات أيديولوجية براقة تستخدم في الدعاية . وقد تم إسقاطها تماماً في الخطاب الصهيوني في السبعينيات ولم يَعُد لها من صدى إلا في كتابات بعض المتزمتين الهامشيين) .
وبما أن المستوطنين الصهاينة سيعيشون في بيئة معادية لهم ، فإنهم كجماعة بشرية لابد أن يحققوا تفوقاً اقتصادياً (صناعياً وزراعياً) وأن يؤسسوا قاعدة تكنولوجية عصرية لتحقيق الاكتفاء الذاتي . ولابد أن يتمتع المستوطنون بمستوى معيشي مرتفع لضمان بقائهم حسب الشروط الصهيونية ولضمان بقاء الدولة الصهيونية (داخل حدودها التي لم يتم تحديدها) وحتى يمكن إغراء المزيد من المهاجرين للقدوم إليها ، ويتطلب المشروع الصهيوني توثيق العلاقة مع يهود العالم باعتبارهم مصدراً أساسياً من مصادر الدعم السياسي والمالي والمادة البشرية الاستيطانية .
هذه هي رؤية الذات ، أما بالنسبة لرؤية الآخر ، فالعالم بالنسبة للصهاينة يشكل دائرتين حضاريتين أساسيتين متعارضتين وإن تداخلتا جغرافياً . أما الدائرة الأولى فهي العالم الغربي الذي يضم غالبية يهود العالم . ورغم أن هذا العالم الغربي هو الذي اضطهد اليهود عبر تاريخهم ، ونكّل بهم وبآبائهم ، فإن الصهاينة يتناسون هذا تماماً (إلا في مجال زيادة ما يُسمّى "الوعي اليهودي" ومحاولة تعميق الإحساس بالذنب في الوجدان الغربي حتى يتسنى توظيفه في خدمة الصهاينة) ويحصرون عداءهم للغرب في ألمانيا النازية .
ويؤكد الصهاينة أن الدولة الصهيونية تنتمي للحضارة الغربية بكل قيمها وتوجهاتها ومصالحها . والتشكيل الإمبريالي الغربي هو الذي قام بتبني المشروع الصهيوني من البداية ، فساعد على نقل الكتلة البشرية وقام بتغطية المستوطن الصهيوني ، من الناحية العسكرية والاقتصادية ، أثناء مرحلة التأسيس ، أي قبل قيام الدولة . ثم استمر في دعمه مالياً واقتصادياً وعسكرياً بعد قيامها . وهو لا يزال يضمن ، من خلال هذا الدعم المستمر ، بقاء الدولة الصهيونية واستمرارها ورخاءها . ولذا تحرص هذه الدولة على الإبقاء على علاقات وثيقة مع كل المجتمعات الغربية ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص . والدولة الصهيونية ترى مصالحها الاستراتيجية باعتبارها متفقة تماماً مع المصالح الاستراتيجية الغربية (إن لم تكن جزءاً عضوياً منها) ومن ثم فهي قادرة على خدمة أهداف الغرب الاستراتيجية . ولذا تحدد "إسرائيل" أولوياتها الاستراتيجية في ضوء الأولويات الاستراتيجية الغربية . وهي دائماً مستعدة لتغيير وتبديل أولوياتها في ضوء ما قد يطرأ من تغيرات وتعديلات على الأولويات الغربية . فالدولة الوظيفية الصهيونية ، إن لم تفعل ذلك ، وجدت نفسها بلا وظيفة تؤديها ولا دور تلعبه . وعلى سبيل المثال فإن العدو الأكبر للحضارة الغربية في الستينيات كان القومية العربية ، فهي التي كانت تحمل لواء المقاومة ضد الإمبريالية الغربية ، ومع انحسار التيار القومي العربي والتيار الماركسي نسبياً (وسقوط ثم اختفاء الكتلة الاشتراكية) وظهور الحركة الإسلامية ، أصبح العدو الأول للغرب هو الإسلام والحركات الإسلامية . ولذا كان عدو الدولة الصهيونية الأول آنذاك هو القومية العربية ، أما في الوقت الراهن فقد أصبحت الأصولية الإسلامية هي الخطر الجديد الزاحف ، الممتد من منطقة الشرق الأوسط إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ، باعتبار أن هذا هو الخطر الذي يتهدد الدول الغربية وروسيا ، وأصبحت مواجهة الإرهاب تمثل الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الصهيونية "الإسرائيلية" . "وإسرائيل" بذلك تخلق لنفسها دوراً جديداً تقوم من خلاله بأداء وظيفتها تجاه الغرب والولايات المتحدة وهو يتفق مع دورها في إطار النظام العالمي الجديد ، إذ يمكنها أن تبني الجسور لتتواصل من خلالها مع بعض النخب العربية التي تم تغريبها. وبذلك تعوّض الدولة الصهيونية ما فقدته من مكانة استراتيجية متميزة عقب انتهاء الحرب الباردة .
وتحرص الدولة الصهيونية على أن تبين مقدرتها على البقاء والعمل على أداء وظيفتها القتالية والاقتصادية دون أن يتحمل الراعي الإمبريالي تكلفة عالية . وهذا يتطلب وجود مؤسسة عسكرية ضخمة معبأة بشرياً ومادياً تشرف على كل النشاطات في المجتمع .
ثم نأتي للرؤية الصهيونية للآخر الذي يقع خارج العالم الغربي ، أي "الشرق" ، ويمكن تخيّل هذا الشرق باعتباره عدة دوائر متداخلة أوسعها دول آسيا وأفريقيا ، وتتفاوت هذه الدول في أهميتها . ويهتم الفكر الاستراتيجي "الإسرائيلي" بالدول الواقعة على سواحل البحر الأحمر والمتوسط والدول التي توجد في أعالي النيل . وتوجد داخل هذه الدول دول "صديقة" أو دول يمكن شراؤها تدور في فلك الغرب وتمثل مجالاً حيوياً "لإسرائيل" يمكن أن يساعدها على التغلغل في آسيا وأفريقيا والالتفاف حول العالم العربي وكسر طوق الحصار الذي يُفرض على "إسرائيل" ، بل يمكن من خلالها الضغط عليه . كما توجد دول معادية إما لأن مصالحها مرتبطة بمصالح الدول العربية أو بسبب توجهها الأيديولوجي .
ولكن أشد الدول عداءً وأكثرها خطراً داخل هذه الدائرة الأولى هي الدول الإسلامية مثل باكستان وإيران التي تشكل بمكانتها وتوجهاتها الاستراتيجية خطراً على الأمن "الإسرائيلي" . ويوجد داخل هذه الدائرة العريضة دائرة الدول العربية الواقفة وراء دول المواجهة والتي تساند دول المواجهة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً . كما يمكنها أن تشكل أداة ضغط على الصعيد العالمي لصالح دول المواجهة . ثم تأتي أخيراً دول المواجهة وهي مصر وسوريا والأردن ، وفي مركز الدائرة توجد "إسرائيل" .
وتذهب الاستراتيجية "الإسرائيلية" إلى أن اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة القوة ("وإسرائيل" على كل هي نتاج المنظومة الداروينية الغربية ، ووجودها ثمرة القوة والعنف) ، وأن صالح "إسرائيل" والعالم الغربي هو إبقاء العالم العربي في حالة تجزئة وفرقة (وهذا على كل ، بُعد أساسي في الاستراتيجية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر) . ويمكن تحقيق حالة التجزئة هذه من خلال اتفاقيات السلام المختلفة ، وخلق مصالح اقتصادية متضاربة ومتناقضة بين الدول العربية ، على أن تمسك "إسرائيل" بالخيوط الأساسية وأن تصبح النقطة التي تتفرع منها كل القنوات الاقتصادية ، فتصب فيها التكنولوجيا الغربية ورأس المال الغربي، وتقوم هي بتوزيعها بما يتفق مع مصلحة الغرب الاستراتيجية .
ويُقسَّم العالم العربي ، من المنظور الاستراتيجي الصهيوني "الإسرائيلي" إلى أربعة أقسام :
*دائرة الهلال الخصيب وتتناوب كل من سوريا والعراق قيادتها .
*دائرة وادي النيل وتمثل مصر الدولة الرائدة فيها .
*دائرة شبه الجزيرة العربية وتمثل السعودية الدولة القائدة فيها .
*دائرة المغرب العربي وعلى رأسها المغرب والجزائر .
وتتمثل الاستراتيجية "الإسرائيلية" للتعامل مع هذه الدوائر في العمل على منع التقائها أو تعاونها لما يشكله مثل هذا التعاون من خطورة على الأمن "الإسرائيلي" ، نظراً للإمكانات الضخمة التي تملكها كل دائرة إذا ما تعاونت مع غيرها . ولذا تصر "إسرائيل" على ضرورة مواجهة كل دولة عربية على حدة سواء في الحرب أم في السلم . ومن هنا تصوّر "إسرائيل" للعالم العربي باعتباره "المنطقة" ، أي منطقة جغرافية لا يربطها رابط تاريخي تنقسم إلى دويلات صغيرة تتنازعها الانقسامات الطائفية بحيث تصبح هذه الدويلات الطائفية فاقدة لكل عناصر القوة وبشكل تقع فيه تحت السيطرة "الإسرائيلية" ، والخطط "الإسرائيلية" المستقبلية بهذا الشأن.
1– التعامل مع الدائرة الأولى (الهلال الخصيب) :
أ ) كانت الاستراتيجية "الإسرائيلية" في الماضي تهدف إلى احتلال الأردن وتجزئته ونقل السلطة فيه للفلسطينيين وتهجير عرب الضفة وغزة للسكن فيه للتخلص من الكثافة العربية في الأرض الفلسطينية . ولكن الاستراتيجية الآن هي تحييد الأردن وكسبه لصف "إسرائيل" والتلويح بالمكاسب الاقتصادية حتى يشارك الأردن في عملية حصار الفلسطينيين واستيعابهم داخل أي إطار سياسي اقتصادي ، ليتحولوا من قوة ذاتية داخل التشكيل الحضاري العربي إلى مجموعة بشرية مشتتة ذات توجهات اقتصادية ضيقة مباشرة .
ب) كانت الاستراتيجية "الإسرائيلية" في الماضي ترى ضرورة تجزئة لبنان إلى خمس مقاطعات : درزية في الشوف ، ومارونية في كسروان ، وشيعية في الجنوب والبقاع ، وسنية في طرابلس ، ودولة سنية أخرى في بيروت . وستكون هذه التجزئة كسابقة للعالم العربي وبداية المسيرة في هذا الاتجاه .
جـ ) كما كان التصور الاستراتيجي "الإسرائيلي" يذهب إلى ضرورة تقسيم سوريا والعراق في مرحلة لاحقة إلى مناطق عرقية أو دينية خالصة ، فتُقسّم سوريا إلى دولة شيعية علوية على طول الساحل السوري ، ودولة سنية في حلب ، ودولة سنية معادية لها في دمشق ، ودولة درزية في حوران والجولان . أما العراق فإنه يمثل –بسبب الثروة النفطية- مصدر تهديد "لإسرائيل" ، ولذا فيمكن تمزيقه إلى أجزاء تتمحور حول المدن الكبرى ، دولة شيعية في الجنوب حول البصرة ، ودولة سنية حول بغداد ، ودولة كردية حول الموصل . ولكن لاعتبارات استراتيجية محلية وعالمية ، ومع ظهور النظام العالمي الجديد ، أصبحت الاستراتيجية "الإسرائيلية" لا تهدف إلى تقسيم هذه البلاد ، وإنما الاستفادة من بعض الثغرات الموجودة في بعض البلدان العربية مثل النزاعات الطائفية في لبنان أو مصر والنزعات الانفصالية في العراق والسودان .
2– الدائرة الثانية (وادي النيل) :
بالنسبة لمصر ، تهدف الاستراتيجية "الإسرائيلية" إلى تحطيم فكرة أن مصر الزعيمة القوية للعالم العربي وإلى تشجيع الصراعات بين المسلمين والأقباط وإضعاف الدولة المركزية والسعي إلى قيام عدد من الدول الضعيفة ذات قوى محلية وبدون حكومة مركزية. وأما الدول المجاورة مثل السودان فمصيرها هو التقسيم، وعزل الجنوب ، الذي يضم منابع النيل، ليشكل ذلك نقطة ضعف على مصر .