USAMA LADEN
08-01-2004, 10:46 PM
الحياة / يقول ميشيل فوكو إن الكوارث تؤسس لمرحلة جديدة, وثقافة جديدة, ويبدو أن هذه المقولة تقرأ في العراق على نحو إننا نحتاج إلى كارثة لنؤسس لمرحلة وثقافة جديـدة, فتحتـاج أحياناً لكـي تعـبر الجسـر فوق نهر دجلة إلى ساعتين, فهذه الجسور التي كانت تربط الطرق والأحياء بثــلاثـة مســارب للسـيارات في كل اتجاه, أعيد اثنان منها فقـط على هيئة جسر حديدي موقت من الجسور التي تبنيها الجيــوش لمواجـهة الانهيارات أو للعمليات العسكرية وتمكن بصعوبة أن تمر سيارة واحدة من كل اتجاه, فيحدث اختناق وزحام يتحول فيه نهر السيارات المتدفق علــى الطريــق بثــلاثة مسارب إلى رتل بطيء بمسرب واحد, وقد افتتح جسران من هـذا النوع بعد أكثر من ستة أشهر من الاحتلال باحتفال مهيب رعاه المنسق الأميركي لشؤون إعمار العراق بول برايمر.
يقول الدليل العراقي الذي كان يرافقنا وينسق اللقاءات والزيارات, لو كان صدام موجوداً لاحتاج الأمر شهرين على أقصى تقدير لترى كل هذه الجسور المهدمة والعمارات والمرافق المهملة تعمل من جديد كأنها لم تتعرض لأذى.
مرافقنا شاب كردي اعتقل عدة مرات في عهد النظام السابق, وقـد غامر بالهروب من الخدمة العسكرية معرضاً نفسه لعقوبة الإعدام, وقد اشترى بعد الاحتلال سيارة من دبي, ويعمل اليوم مع الصحافيين العرب والأجانب في إرشادهم وتنسيق اللقاءات والبرامج التي يحتاجونها, ولعله يمتلك رؤية ومعلومات على مستوى من الموسوعية والموضوعية تجعلك تفضله على كثير مـن المـســؤولين والسياسيــين الذيـن تسـعى لمقابلتهم, ولكن فرصته في العمل تعتمد على بقائه في الظل, ويحدثنا ساخراً كيــف تحــولت الأزمـات المرورية على الجسور إلى سوق لبيع الموز بخاصة والفــواكه والبـضــائع, ففـــي تلـــك الســاعات التي تقضيها بانتظار العبور على الجسر تجد دافعاً للمساومــة والتفــكير في الشراء وربما البيع أيضاً, ويقبل العراقيون على نحـو غـيــر عادي على شــراء المــوز, يقـول مرافقنا إنــه يشتــريه ولا يــأكــله, ولكــن فقـط للشعور بالحرية, والحصول علــى شيء كان نادراً في العــراق, وكـذلك الأمر بالنـسبة لأقــراص الكومبيوتر, وأجهزة الاتصال الدولية وخدمات شبكة الإنترنت, والأجهزة الكهربائية التي تتكدس على الأرصفة وفي الطرقات, والسيارات من كل نوع والـتي يقدر عدد ما استورد منها بعد الاحتلال بنصف مليون سيارة.
ولا يلاحظ العراقيون ولا زوار العراق والصحافيون تغييراً إيجابياً يذكر على حياة الناس وشؤونهم والخدمات والاحتياجات الأساسية, فالمباني والمرافق التي دمرت ما زالت أنقاضاً في وسط المدينة, الاتصالات والكهرباء والطرق والجسور, وأبراج الكهرباء وأعمدتها التي دمرت بعد الاحتلال على نحو سوريالي مبرمج لا يفهم الهدف منه ولا الفائدة التي تعود على أصحاب البلدوزرات الذين لا يمكن أن يكونوا أفراداً عاديين وهم يسيرون على طول جميع طرق العراق فيدمرون الأبراج التي تحمل كابلات الكهرباء مهدرين بلايين الدولارات بلا فائدة مرجوة تعود عليهم.
وفي عراق النفط تحتاج أن تقف تسع ساعات متواصلة في خط انتظار طويل لا ترى نهايته لتتمكن من الحصـــول علــى البـنـزيــن, أو يمكنـك أن تشتريه بعشرة أضعاف ثمنه من باعة على قارعة الطريق, ويصر المسؤولون على أنه لا يوجد أزمة بنزين أبداً, ولا أحد يجيب لماذا لا تشغل محطات تكرير النفط أو محطات توليد الكهرباء, ولا أحد يسأل في العراق ابتداء.
ولا تجد في ما يتـاح لـك متابعتـه عن إعادة إعمار العراق سوى أخبار ملاحقة البعثيين وثماثيل صـدام حسـين وصوره واكتشاف مزيد من القبور الجماعية يحب كل طرف أن يعتبرها كما يريد أو يتوقع, فهي مذابـح للأكراد والشيعـة والمعارضـين أو هي مذابح للجنود والموظفين العراقيين والمواطنين السنة الذين تعرضوا هم أيضاً للمجازر, ويبدو أن الكل كان يذبح في العراق وما زال يذبـح أيضاً, وكلما ضاقت الحياة بالناس تسوق الإدارة الأميركية والعراقية الانتقالية الصحافيين ووســائـل الإعـلام لتطلعـهم علـى تماثيـل صدام التي يطاح بها, لقـد كانت لعبة مسلية فــي الأيــام الأولـى من الاحتلال, ولكنها اليـوم تبـدو للنـاس العاديين استخفافاً بالعقول واستهانة بـالــناس, وإصـراراً عـلى عدم رؤية شيء في العراق سـوى النفـط, وتماثيل صدام, إنها رؤية الأشياء كمـا نريــدهــا وليســت كمــا هي.
وشكلت مؤخراً الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث برئاسة أحمد الجلبي, ومهمتها ملاحقة البعثيين, والتأكد من عدم توظيفهم ومشاركتهم في أي من مؤسســات الدولـة أو الترشـــح للانتخــابات المقبـلة, ومحـاكمة المسؤولين منهم عـن جرائمـهم السابقة.
ويبلغ عدد البعثيين في العراق حوالى مليوني شخص, أي أنهم على الأقل ربع القوة العاملة والناخبين في العراق, أي أن ربع العراقيين سيجرى حرمانهم من كل حقوق العمل والمشاركة العامة, ويتعرضون للاعتقال والاغتيال وسلب ممتلكاتهم, على نحو يذكر بما جرى في إندونيسيا عام 1965 بعد الانقلاب الذي جرى على الرئيس سوكارنو, عندما أعدت قائمة بأعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي من ربع مليون شخص جرت تصفيتهم.
وذكر بيان للجنة حقوق الإنسان في العراق صدر في السادس من الشهر الماضي أن عدد المعتقلين العراقيين لدى قوات الاحتلال بلغ 17488 شخصاً, وانه تم إعدام 400 عراقي من دون محاكمة, في حين تعرض 620 مواطناً للتعذيب بحيث فقدوا القدرة على العودة إلى العمل مجدداً - وهناك 600 معتقل لم يكشف عن مصيرهم, كما أن القوات الاميركية هدمت 226 منزلاً خلال عمليات المداهمة.
وتكاد تظن أن بدر شاكر السياب عندما كتب قصيدته "أنشودة المطر" قبل خمسين عاماً إنما يتحدث عن الوقت الحاضر:
" وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول حولها بشر"
ولا تجد ما تعلق به سوى شعار تعثر عليه في زحام الشعارات واللافتات والإعلانات عن الاحتلال والطغيان, والأحزاب, وإعلانات نعي الموتى وتسويق البضائع وشتم الناس والفئات, شعار واحد يتيم بقي من مخلفات النظام السابق ولم تصله بعد الهيئة العليا لاجتثاث البعث "ليحفظ الله العراق".
يقول الدليل العراقي الذي كان يرافقنا وينسق اللقاءات والزيارات, لو كان صدام موجوداً لاحتاج الأمر شهرين على أقصى تقدير لترى كل هذه الجسور المهدمة والعمارات والمرافق المهملة تعمل من جديد كأنها لم تتعرض لأذى.
مرافقنا شاب كردي اعتقل عدة مرات في عهد النظام السابق, وقـد غامر بالهروب من الخدمة العسكرية معرضاً نفسه لعقوبة الإعدام, وقد اشترى بعد الاحتلال سيارة من دبي, ويعمل اليوم مع الصحافيين العرب والأجانب في إرشادهم وتنسيق اللقاءات والبرامج التي يحتاجونها, ولعله يمتلك رؤية ومعلومات على مستوى من الموسوعية والموضوعية تجعلك تفضله على كثير مـن المـســؤولين والسياسيــين الذيـن تسـعى لمقابلتهم, ولكن فرصته في العمل تعتمد على بقائه في الظل, ويحدثنا ساخراً كيــف تحــولت الأزمـات المرورية على الجسور إلى سوق لبيع الموز بخاصة والفــواكه والبـضــائع, ففـــي تلـــك الســاعات التي تقضيها بانتظار العبور على الجسر تجد دافعاً للمساومــة والتفــكير في الشراء وربما البيع أيضاً, ويقبل العراقيون على نحـو غـيــر عادي على شــراء المــوز, يقـول مرافقنا إنــه يشتــريه ولا يــأكــله, ولكــن فقـط للشعور بالحرية, والحصول علــى شيء كان نادراً في العــراق, وكـذلك الأمر بالنـسبة لأقــراص الكومبيوتر, وأجهزة الاتصال الدولية وخدمات شبكة الإنترنت, والأجهزة الكهربائية التي تتكدس على الأرصفة وفي الطرقات, والسيارات من كل نوع والـتي يقدر عدد ما استورد منها بعد الاحتلال بنصف مليون سيارة.
ولا يلاحظ العراقيون ولا زوار العراق والصحافيون تغييراً إيجابياً يذكر على حياة الناس وشؤونهم والخدمات والاحتياجات الأساسية, فالمباني والمرافق التي دمرت ما زالت أنقاضاً في وسط المدينة, الاتصالات والكهرباء والطرق والجسور, وأبراج الكهرباء وأعمدتها التي دمرت بعد الاحتلال على نحو سوريالي مبرمج لا يفهم الهدف منه ولا الفائدة التي تعود على أصحاب البلدوزرات الذين لا يمكن أن يكونوا أفراداً عاديين وهم يسيرون على طول جميع طرق العراق فيدمرون الأبراج التي تحمل كابلات الكهرباء مهدرين بلايين الدولارات بلا فائدة مرجوة تعود عليهم.
وفي عراق النفط تحتاج أن تقف تسع ساعات متواصلة في خط انتظار طويل لا ترى نهايته لتتمكن من الحصـــول علــى البـنـزيــن, أو يمكنـك أن تشتريه بعشرة أضعاف ثمنه من باعة على قارعة الطريق, ويصر المسؤولون على أنه لا يوجد أزمة بنزين أبداً, ولا أحد يجيب لماذا لا تشغل محطات تكرير النفط أو محطات توليد الكهرباء, ولا أحد يسأل في العراق ابتداء.
ولا تجد في ما يتـاح لـك متابعتـه عن إعادة إعمار العراق سوى أخبار ملاحقة البعثيين وثماثيل صـدام حسـين وصوره واكتشاف مزيد من القبور الجماعية يحب كل طرف أن يعتبرها كما يريد أو يتوقع, فهي مذابـح للأكراد والشيعـة والمعارضـين أو هي مذابح للجنود والموظفين العراقيين والمواطنين السنة الذين تعرضوا هم أيضاً للمجازر, ويبدو أن الكل كان يذبح في العراق وما زال يذبـح أيضاً, وكلما ضاقت الحياة بالناس تسوق الإدارة الأميركية والعراقية الانتقالية الصحافيين ووســائـل الإعـلام لتطلعـهم علـى تماثيـل صدام التي يطاح بها, لقـد كانت لعبة مسلية فــي الأيــام الأولـى من الاحتلال, ولكنها اليـوم تبـدو للنـاس العاديين استخفافاً بالعقول واستهانة بـالــناس, وإصـراراً عـلى عدم رؤية شيء في العراق سـوى النفـط, وتماثيل صدام, إنها رؤية الأشياء كمـا نريــدهــا وليســت كمــا هي.
وشكلت مؤخراً الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث برئاسة أحمد الجلبي, ومهمتها ملاحقة البعثيين, والتأكد من عدم توظيفهم ومشاركتهم في أي من مؤسســات الدولـة أو الترشـــح للانتخــابات المقبـلة, ومحـاكمة المسؤولين منهم عـن جرائمـهم السابقة.
ويبلغ عدد البعثيين في العراق حوالى مليوني شخص, أي أنهم على الأقل ربع القوة العاملة والناخبين في العراق, أي أن ربع العراقيين سيجرى حرمانهم من كل حقوق العمل والمشاركة العامة, ويتعرضون للاعتقال والاغتيال وسلب ممتلكاتهم, على نحو يذكر بما جرى في إندونيسيا عام 1965 بعد الانقلاب الذي جرى على الرئيس سوكارنو, عندما أعدت قائمة بأعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي من ربع مليون شخص جرت تصفيتهم.
وذكر بيان للجنة حقوق الإنسان في العراق صدر في السادس من الشهر الماضي أن عدد المعتقلين العراقيين لدى قوات الاحتلال بلغ 17488 شخصاً, وانه تم إعدام 400 عراقي من دون محاكمة, في حين تعرض 620 مواطناً للتعذيب بحيث فقدوا القدرة على العودة إلى العمل مجدداً - وهناك 600 معتقل لم يكشف عن مصيرهم, كما أن القوات الاميركية هدمت 226 منزلاً خلال عمليات المداهمة.
وتكاد تظن أن بدر شاكر السياب عندما كتب قصيدته "أنشودة المطر" قبل خمسين عاماً إنما يتحدث عن الوقت الحاضر:
" وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول حولها بشر"
ولا تجد ما تعلق به سوى شعار تعثر عليه في زحام الشعارات واللافتات والإعلانات عن الاحتلال والطغيان, والأحزاب, وإعلانات نعي الموتى وتسويق البضائع وشتم الناس والفئات, شعار واحد يتيم بقي من مخلفات النظام السابق ولم تصله بعد الهيئة العليا لاجتثاث البعث "ليحفظ الله العراق".