PDA

View Full Version : تعساء ولكن ...! أنانيون


مخاوي الغربة
07-05-2000, 11:36 PM
تعساء … ولكن أنانيون !!


فالطبيب الريفي الفقير الذي يعيش حياة بسيطة مع زوجتها المريضة ، يواجه محنة قاسية هي مرض ابنه الوحيد بالدفتيريا منذ ثلاثة أيام ، وقد أمضى الليالي الثلاث الأخيرة ساهراً بجواره يحاول بكل ما أوتي من علم وخبرة إنقاذه من الموت فلم تجد محاولاته شيئا ونفذ السهم في موعده واسلم الطفل ذو الستة أعوام روحه بين يدي أمه المريضة البائسة وأبيه المحطم .. فركعت الأم الحزينة على فراش ابنها صامته لا تبكي ، ووقف الأب جامدا ينظر الى طفله الراحل منذ لحظات وزوجته المريضة بلا حراك .. وفي اللحظة المأساوية المؤلمة دق جرس البيت بعنف غير متوقع ، فلم ترفع الأم رأسها المنحني ، ولم يفكر الأب في أن يغادر موقعه ليفتح الباب .. وعاد الجرس يدق بعنف أشد … فتذكر الطبيب أنه لا أحد في البيت سواهما ولا مفر من أن يفتح الباب بنفسه فتوجه ببطيء وجمود إليه .. أنفتح الباب فظهر رجل شاب يرتدي ملابس فاخرة توحي بثرائه وتشي ملامحه بالاضطراب واللهفة .. وقدم نفسه للطبيب ثم رجاه أن يذهب معه الى بيته لعيادة زوجته التي هي في حاله خطيرة .

فقد كانت – راح يحكي له – تجلس معي ومع صديق الأسرة تشرب الشاي ونتحدث باستمتاع وفجأة صرخت زوجتي ووضعت يدها على قلبها ثم تراخت على ظهر المقعد .. فحملناها إلى فراشها ودلكنا وجهها بالكولونيا والنشادر .. لكنها لم تفق من إغمائها فهيا أسرع يا سيدي لتعالجها .. ومعي عربة في انتظارنا .

اعتصم الطبي بالصمت طوال حديث الزائر المضطرب حتى بدا وكأنه لم يسمع مما قاله شيئا ، وحين ألح مرة أخرى في الخروج معه .. بحث عن صوتها حتى استطاع الكلام ثم اعتذر له بعدم قدرتها على ذلك لأنه منذ خمس دقائق فقط مات طفله الوحيد !.

وارتبك الزائر الشاب ارتباكاً شديدا … واعتذر عن مجيئه إليه في وقت غير مناسب تماما لطلب أية خدمة منه .. لكنه رغم ذلك تمسك بمطلبه منه في الخروج معه لإنقاذ زوجته لأنه ليس هناك طبيب آخر سواه في هذه المنطقة .. ولا بد مما ليس منه بد .

ولم يجد الطبيب الحزين أية جدوى في مناقشة زائره .. فتركه في بهو البيت وصعد غرفة نوم طفله الراحل .. واقترب من الفراش فرأى زوجتها لا تزال راكعة خافضة الرأس بلا نحيب .. ورأى الصمت يخيم على المكان .. ولم يبك أيضا .. فقد كانت معاناته ومعاناة زوجته فوق البكاء .. فالطفل الذي رحل قد رحل معه أيضا آخر أمل لهما في الإنجاب .. فالطبيب في الرابعة والأربعين من العمر .. لكن جفاف الحياة جفف نضارة الشباب فيه فبدا شيخا في الستين … وزوجته في الخامسة والثلاثين لكن المرض امتص رحيق شبابها .. فذوت صحتها وجمالها .
وفي صمت أبلغ من كل الكلام أدرك كل منهما في أعماقه أن ابنهما الراحل لم يكن فقط طفلهما الأول .. بل والأخير أيضا .

وبغير هدف غادر الغرفة مرة أخرى وهبط إلى بهو البيت ففوجئ بالزائر الشاب ما زال في انتظاره كأنما كان قد نسى أمره في هول أحزانه .. وتعجله الشاب في الخروج معه .. ويناشده باسم الإنسانية أن يذهب معه لإنقاذ زوجته .
فأجابه الطبيب ذهلا : و بأسم الإنسانية نفسها أرجوك أن تتركني في حالي .. فأنا لم أنم منذ ثلاث ليالي ولا أكاد أقوى على الوقوف ولا أصلح لأي شيء الآن .

ولكن هيهات أن يدعه الزائر الشاب لشأنه .. فقد راح يلح عليه الخروج معه .. واحتد الموقف بينهما في بعض اللحظات حين ذكره الشاب بقانون الطب ومسئوليته عن نجدة المرضى ، ثم تراجع عن حدته وقال له إنه لا يستدعي في هذا الوقت المؤلم لعلاج آلم عارض في الأسنان وإنما لإنقاذ حياة زوجة شابة تحتضر .. فإذا كان ابنه الطفل قد مات منذ دقائق .. فمن غيره يستطيع أن يفهم مأساته ويقدرها !..
ولم يؤثر التهديد في الطبيب البائس .. لكنه تأثر فقط بالمناشدة الأخيرة .. فتحرك وارتدى معطفه وأحضر حقيبته وغادر البيت في ظلام الليل مع الزوج الساب .. راحت العربة تنهب الأرض في طريقها إلى فيلا الزوج الشاب أو قصره الصغير ، وبعد وقت عصيب وصلا إلى البيت .. ودخلا بهوه الفخم .. فترك الزوج الطبيب في الصالون وصعد السلم مسرعا إلى غرفة النوم وهو يقول للطبيب في اضطراب :: لو حصل لها شيء فلن أستطيع الحياة .. وجلس الطبيب صامتا يتأمل الصالون الذهبي الفاخر والبيانو الأثري الكبير والثريات الثمينة التي تتدلى من السقف .. فلم تمض دقائق حتى رجع الزوج الشاب إلى الصالون ولاحظ الطبيب رغم همومه أنه ليس الرجل الذي صعد السلم راكضا منذ لحظات .. فقد اختفت من وجهه علائم الأرستقراطية والترفع التي لم تفارقه حتى وهو يتوسل للطبيب للحضور معه .. وحلت محلها ملامح متهدلة منكسرة بائسة .. وبصوت متحرش اقترب الزوج من الطبيب وهو يمسك بورقة في يده ويقول له : خدعتني ! خدعتني ! لم تكن مريضة .. ولم تفاجئها نوبة قلبية كما ادعت أمامي و إنما تظاهرت بذلك لأسرع إليك .. فتهرب مع صديقي الذي تركتها في رعايته .. الخائنة .

وطفرت الدموع في عينيه .. فراح يذرع في الصالون في خطوات عصيبة وهو يقول للطبيب كأنما يحدث نفسه :: ماذا فعلت لها حتى تخدعني بهذه الطريقة القذرة ؟
ففوجئ الطبيب يسأله وكأنما لم يسمع شيئا مما قيل :
- عفوا ولكن أين المريضة ؟.
فصرخ الزوج الشاب وهو يضحك ويبكي في وقت واحد وقال:
- المريضة ؟ .. ليست مريضة دبرت كل شيء مع صديقي الخائن ودفعاني للذهاب إليك ليهربا فامتلأت عينا الطبيب بالدموع فجأة وتلفت حوله في تعجب ثم قال :
- لكن ابني مات وزوجتي تعاني فجيعتها في البيت وحدها و أنا لم أنم منذ ثلاث ليال فكيف يشركانني معهما في هذه اللعبة القذرة ؟.
فراح الزوج يبث بلواه أينعي نفسه أنه لم يلاحظ من قبل كثرة زيارات صديقه الغادر له في البيت .. ويتساءل في ألم … وماذا كان يمنعها إذا أصبحت لا تحبه من أن تصارحه بذلك ويفترق كل منهما بشرف بدلاً من هذا الخداع الحقير ؟.

ثم ألتفت إلى الطبيب والدموع تملأ عينيه وجسمه كله يرتعش ويقول له :
- إنك شاهد على مأساتي .. إني أقسم لك بأنني قد أحببت هذه المرأة من كل قلبي .. وضحيت من أجلها بأهلي ووظيفتي وكل شيء .. فانظر كيف كانت عاقبة حبي وتضحيتي من أجلها ؟
كان الزوج يتحدث عن بلواه في صدق وحرارة متوقعا أن يشاركه الطبيب مأساته فإذا به ينتفض فجأة في غضب ويقول له :
- لماذا تقول لي كل ذلك ؟. أنا لا أريد سماعه ولا أريد معرفة أسرار حياتك الشخصية المبتذلة ، لماذا جئت بي إلى هنا ؟. إذا كنتم من حياتك الشخصية المبتذلة ، لماذا جئت بي إلى هنا ؟ إذا كنتم من الرفاهية تتزوجون ومن الرفاهية تركبكم الشياطين فتختلقون هذه الخيانات والمآسي فما دخلي أنا بذلك ؟. افعلوا بحياتكم ما تشاءون ولكن إياكم والسخرية بكرامة الناس !.

فيقاطعه الشاب مدافعا عن نفسه بأنه لم يسخر من آلامه كما يتهمه ، لأنه هو أيضا إنسان تعيس مثله فيضحك الطبيب باحتقار ساخر من هذه التعاسة المزعومة التي لا تقاس بتعاسة التعساء الحقيقين في الحياة ، ويتأزم الموقف بينهما إلى أقصى حد حتى يكادا يتضاربان بالأيدي وتبلغ الأزمة قمتها حين يضع الشاب أتعاب الطبيب على المائدة فيقذف بها الطبيب على الأرض رافضا هذه الإهانة الجارحة ، ثم يقف كل منهما في مواجهة الآخر ويروح في سورة الغضب يكيل للآخر الإهانات الظالمة وقد تكشف في كل منهما أنانية التعساء
وينتهي الموقف أخيرا بمغادرة الطبيب لبيت الزوج الشاب الذي كلف أحد خدمه باصطحابه بعربته إلى منزله .. وطوال الطريق لم يكن الطبيب يفكر في طفله الراحل ولا في زوجته الحزينة المريضة ، وإنما في ذلك الشاب وفي زوجته وصديقها الذي هربت معه .. وفي تلك الحياة اللاهية التي يعيشها أمثال هؤلاء المرفهين …!

تحياتي
http://www.swalif.net/swalif1/ubb/frown.gif http://www.swalif.net/swalif1/ubb/smile.gif

حروف سوالف
08-05-2000, 08:13 AM
مرحب باخوي مخاوي الغربه...
رئعه جدااا جدااا وانتضر المواضيع القادمه..
اخوك حروف الحب

صوت وصورة
08-05-2000, 09:18 AM
السلام عليكم ورحمة الله

مخاوي الغربة

لقد قرأت القصة هذه اكثر من مرة .. وبكل مرة اقرأها أجد أمرا يجعلني أكتسب فكرة جديدة .. هل نسيان الحزن في أداء الواجب .. ام أسلوب الرفاهية وما تطغي على القلوب المريضة بنقمة .. أم تمالك أعصاب الدكتور وهو يواجه موت الطفل الوحيد له .. كل هذه الأمور تستفاد ولكن ؟
يظل هذا الطبيب مثال للأنسانية بغض النظر عن كل شيء ..
وتظل هذه الزوجة مثال للخيانة( التي أكرهها أكثر من كل شي بهذا العالم ) وهي لا تعلم أنها بالخطة التي رسمتها جعلت أنسان يترك زوجته وحيده بعد أن فقدت طفلها الوحيد ...
فعلاً قصة جميلة جميلة جميلة
سلمت يا مخاوي الغربة على هذا القلم الرائع ..


صوت وصورة بين الوطن والــــغربة حكاوي
اعتل القلب بالغربة اثاري الوطن دوا لي

albahar
08-05-2000, 11:19 PM
الأخ مخاوي الغربة

تحياتي لك

وهذه القصة المؤثرة


ومتاعب مهنة الطب وواجب الطبيب رغم مأساته

والعبرة مما رآه عند الزوج المخدوع

رائع الخيال الذي يقترب من الواقع




------------------

مخاوي الغربة
09-05-2000, 12:06 AM
حروف

الرائع هو وجودك في همهمتي ..!

لماذا يخشى البعض رياح الخريف .. رغم علمهم أنها لا تسقط من أشجارهم إلا الأوراق .. الجافة ..؟.. أم أن ذلك لأن كل أوراقهم هكذا ؟!

تحياتي لك
أخوك
مخاوي الغربة

مخاوي الغربة
09-05-2000, 12:09 AM
صوت .. وصورة

اشكرك .. أشكرك يا عزيزي على تواصلك..!

تصورك للرواية عظيم .. ولكن .. يبقى الرفق مع النفس والقسوة مع الجميع ... ذلك ديدن معظم الناس .. إلا الطامحين .. فإنهم يفعلون العكس ..!!

تحياتي
أخوك
مخاوي الغربة

مخاوي الغربة
09-05-2000, 12:11 AM
البحار ..!

شكرا يا عزيزي على الزيارة ..!

وخذ هذه النصيحة من أخوك ..!

أحذر ذلك الذي يقرضك مظلة في يوم مشمس .. ويصر على أستعادتها في اليوم ..
.
.
.
.
.
.
.
.

الممطر


تحياتي

أخوك

مخاوي الغربة