PDA

View Full Version : ،، صالح عليه السلام ،،


كلاسيك
21-06-2000, 08:23 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

التعريف بقومه ودعوته لهم

قال تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف: 73).

ثمود قبيلة مشهورة سموا باسم جدهم ثمود أخى جديس، وثمود وجديس ابنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام.

وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذى بين الحجاز وتبوك شمال الجزيرة العربية، وقد مر بمساكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين فى السنة التاسعة من الهجرة.
وكانوا بعد قوم هود، وكانوا يعبدون الأصنام مثلهم فبعث الله فيهم رجلا منهم، وهو عبدالله ورسوله (صالح) بن عبيد بن ماسح بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئا. فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التى جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وقد كانوا بعد عاد، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم. ولهذا قال لهم نبيه عليه السلام: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين) (الأعراف:74). أى إنما جعلكم الله خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم. وأباح لكم هذه الأرض تبنون فى سهولها القصور (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين) (حاذقين فى صنعتها وإتقانها وإحكامها) فقابِلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة، ووعظهم بقوله: (أتتركون فى ما ههنا آمنين (146) فى جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم) (الشعراء:146-148) أى متراكم كثير حسن بهى ناضج (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون) (الشعراء:149-152). وقال لهم أيضًا: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود:61). أى هو الذى خلقكم فأنشأكم من الأرض وجعلكم عمارها، أى أعطاكموها بما فيها من الزروع، والثمار، فهو الخالق الرزاق، وهو الذى يستحق العبادة وحده لا ما سواه (فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب) (هود:61).

(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) (هود:62) أى قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة، وهى دعاؤك إيانا إلى إفراد الله بالعبادة، وترك ما نعبده من الشركاء والأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، ولهذا قالوا: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب) (هود:62).

(قال يا قوم أرأيتم (أخبرونى) إن كنت على بينة (حجة قوية) من ربى وآتانى منه رحمة (رسالة) فمن ينصرنى من الله إن عصيته فما تزيدوننى غير تخسير) (هود:63) أى إن تبعتكم وتركت نصحكم وإخراجكم مما أنتم فيه. وهذا تلطف منه لهم فى العبارة ولين فى الجانب، وحسن تصرف فى الدعوة لهم إلى الخير. ثم ازدادوا فى الإفك والطغيان والزور والبهتان، فاتهموه بأنه مسحور اختلطت عليه الأمور فلا يدرى ما يقول، ولا يدعوا إلى شئ معقول، ثم ازدادوا استهزاء به وسخرية منه وتحديا له فقالوا: (ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) (الشعراء:154).

كلاسيك
21-06-2000, 08:25 AM
عاقبة قوم صالح

فلهذا قال لهم صالح عليه السلام: (تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام) أى غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضا فى هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا -فيما يزعمون- أن يلحقوه بالناقة (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله) أى لنكبسنه فى داره مع أهله فنقتلنه ثم لنجحدن قتله ولننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه. ولهذا قالوا: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون) (النمل:49).

قال تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين(51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) (النمل:50-53).

وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم فأهلكهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الأول من أيام النظرة - ووجوههم مصفرة، كما أنظرهم صالح عليه السلام، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، ثم أصبحوا فى اليوم الثانى من أيام التأجيل -وهو يوم الجمعة -ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا فى اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت -ووجوههم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل. فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم، ولا من أى جهة يأتيهم العذاب. فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم - ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا فى دارهم جاثمين، جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها، قالوا: ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها (كلبة) بنت السلق - ويقال لها الذريعة - وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شئ، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.

قال الله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها) أى لم يقيموا فيها فى سعة ورزق وغناء، (كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) (هود:68). أى نادى عليهم لسان القدر بهذا.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبى الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت - يعنى الناقة- ترد من هذا الفج (الطريق) وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوماُ، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان فى حرم الله) فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: (هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو فى شئ من الكتب الستة. والله أعلم.

وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرنى إسماعيل بن أمية أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبى رغال، فقال: (أتدرون من هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا قبر أبى رغال، رجل من ثمود، كان فى حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا، ودفن معه غصن من ذهب فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن.

قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهرى: أبو رغال أبو ثقيف.
هذا مرسل من هذا الوجه.

وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحاق فى السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبى بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: (إن هذا قبر أبى رغال)، وهو أبو ثقيف وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك: أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه). فابتدره الناس (أسرعوا إليه) فاستخرجوا منه الغصن. وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق به.

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزى رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز.

وقوله تعالى: (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) (الأعراف:79).

إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ فى الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم: (يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم) أى جهدت فى هدايتكم بكل ما أمكننى وحرصت على ذلك بقولى وفعلى ونيتى. (ولكن لا تحبون الناصحين(79)) أى لم تكن سجاياكم تقبل الحق أو تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمر بكم المتصل إلى الأبد، وليس لى فيكم حيلة، ولا لى بالدفع عنكم يدان، والذى وجب على من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد.

ويقال: إن صالحًا عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبى صلى الله عليه وسلم بوادى عسفان حين حج قال: (يا أبا بكر: أى واد هذا؟) قال: وادى عسفان. قال: لقد مر به هو وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف. أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق؛ إسناد حسن وقد تقدم فى قصة نوح عليه السلام من رواية الطبرانى، وفيه نوح، وهود، وإبراهيم.

مرور النبى صلى الله عليه وسلم بوادى الحجر
من أرض ثمود عام تبوك
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر (اسم موضع) عند بيوت ثمود، فاستقى الناس (جلبوا الماء) من الآبار التى كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا القدور، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: (إنى أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم).

وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم).

وأخرجاه فى الصحيحين من غير وجه. اهـ ابن كثير وغيره.

وهكذا يورد الكفر أهله موارد الهلاك والدمار، ويحل عليهم غضب المنتقم الجبار، ويشقيهم شقاء لا نجاة منه بالخلود الأبدى فى النار، أعاذنا الله من سوء التدبير، وشقاء المصير.

وهدانا الله تعالى سواء السبيل ونجانا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

كلاسيك
21-06-2000, 08:25 AM
ناقة صالح عليه السلام

وقد ذكر المفسرون أن ثمودًا اجتمعوا يوما فى ناديهم فجاءهم رسول الله صالح عليه السلام فدعاهم إلى الله، وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له: إن كنت صادقا فأخرج لنا من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة هناك- ناقة من صفتها كيت وكيت، وذكروا أوصافا سموها وتعنتوا فيها وأن تكون هذه الناقة عشراء طويلة. فقال لهم النبى الصالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذى طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقونى فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر (تنشق) عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه الذى طلبوا، وعلى الصفة التى ذكروا.

فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة باهرة، ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم. ولهذا قال: (فظلموا بها) أى جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها، أى أكثرهم. وكان رئيس الذين آمنوا يسمى: جندع بن عمرو بن محلاة بن لبيد بن جواس وكان من رؤسائهم، وهم بقية الأشراف بالإسلام، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعر بن جلمس، ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة وكان من أشرافهم. فهم بالإسلام فنهاه أولئك فمال إليهم وظل على كفره وضلاله.

ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: (هذه ناقة الله لكم آية) أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله بيت الله، وعبد الله (لكم آيةً) أى دليلا على صدق ما جئتكم به (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل فى أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) (هود:64).

فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوما بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء فى يومهم لغدهم، ويقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) (الشعراء:155).

قال تعالى: (إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر) (القمر:27).

أى اختبارًا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون (فارتقبهم) أى انتظر ما يكون من آمرهم (واصطبر) على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية.

(ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) (القمر:28).

فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع علماؤهم، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر لهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.

قال تعالى: (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين) (الأعراف:77).

وكان الذى تولى قتلها منهم رئيسهم: قِدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب، وكان يقال: إنه ولَدَ زانية وُلد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له (صيبان) وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم ورضاهم فلهذا نُسب إليهم كلهم.

ذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين: أن امرأتين من ثمود اسم إحداهما (صدوق) ابنة المحيا بن زهير ابن المختار. وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل ممن أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له (مصرع) ابن مهرج بن محيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، واسم الأخرى (عنيزة) بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم غنمة وكان عجوزًا كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف، إن هو عقر الناقة فله أى بناتها شاء، فاستعد هذان الشابان لعقرها وسعيا فى قومهما بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة.

وهم المذكورون فى قوله تعالى: (وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون) (النمل:48)، وسعوا فى بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم فى طغيانهم، فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما رجعت من وردها كَمَن لها (مصرع) فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يُذَمِّرنْ (أى يحضضن ويشجعن) القبيلة فى قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فى ذلك، فكان أسرعهم (قدار بن سالف) فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها. ثم طعن فى لبتها فنحرها، وانطلق فصيلها فصعد جبلا منيعا ورغا ثلاثًا، ثم اختفى.
وروى عبد الرزاق عن معمر، عمن سمع الحسن أن الفصيل قال: يا رب، أين أمى؟ ثم دخل فى صخرة فغاب فيها، ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضًا.

قال الله تعالى: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابى ونذر) (القمر:29-30).

وقال أيضًا: (إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها) (الشمس:12-15).

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام -أبو عروة- عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذى عقرها فقال: (إذ انبعث أشقاها) انبعث لها رجل عارم عزيز منيع فى رهطه مثل أبى زمعة. أخرجه من حديث هشام به.

(عارم) أى شهم.
عزيز: أى رئيس.
منيع: أى مطاع فى قومه.

وقال محمد ابن إسحاق: حدثنى يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلىٍّ: (ألا أحدثك بأشقى الناس؟) قال: بلى، قال: (رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا علىّ على هذا -يعنى قرنه- حتى تبتل منه هذه - يعنى لحيته). رواه ابن أبى حاتم.
وذكروا أنهم لما عقروا الناقة، كان أول من سطا (قدار بن سالف) لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين سَقبها -وهو ولدها- شرد عنهم فَعَلا الجبل هناك ورغا ثلاث مرات.

جيون
22-06-2000, 08:27 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جزيت خيرا كلاسيك ..

:)